المشركين»]، لأن هذا الحديث جلي في رد يهود بني قينقاع وهم أهل كتاب، وصريح في إطلاق لفظ الشرك عليهم أجاب عنه الإمام الطحاوي بجواب غريب حيث قال -رحمه الله-: [وجه قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لهؤلاء اليهود الذين من بني قينقاع ما قاله لهم في حديث أبي حميد كان بعد وقوفه صلى الله عليه وسلم على ما بينهم وبين عبد الله بن أبي المنافق من الحلف، والمحالفة هي الموافقة من الحالفين للحالفين، فكانوا بذلك خارجين من الكتاب الذي كانوا من أهله مما سواهم من اليهود الذين كانوا في النضير في ذلك بخلافهم؛ لأنهم لم يحالفوا منافقا، وكان أولئك بما حالفوا المنافق الذي حالفوه مرتدين عما كانوا فيه إلى ما هو عليه، فكانوا بذلك كالمرتدين من أهل ملتنا إلى يهودية أو إلى نصرانية، فلا يكونون بذلك يهودا ولا نصارى؛ لأن ذبائحهم غير مأكولات؛ ولأن نساءهم اللاتي دخلن معهم في ذلك غير منكوحات، فمثل ذلك بنو قينقاع لما حالفوا عبد الله بن أبي المنافق، فواطئوه على ما هو عليه من النفاق، ووافقوه على ذلك؛ خرجوا بذلك من حكم الكتاب الذي كانوا من أهله، وصاروا مشركين كمشركي العرب الذين أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه لا يستعين بهم، فلم يستعن بهم في قتاله المشركين لذلك، فأما من سواهم ممن تمسك بكتابه الذي جاء به الذي يذكر أنه على دينه فمخالف لذلك، ولا بأس بالاستعانة بمثله في قتال المشركين؛ لأنه ليس بمشرك، إنما هو كتابي كافر، وهو عدو للكفار من عبدة الأوثان كما نحن أعداء لهم] [1] .
ومَن تأمل قليلًا وجد نفس لفظ الحديث الذي جاء في قصة أبي حميد الساعدي يرد هذا التأويل حيث قال الصحابة حينما سألهم النبي صلى الله عليه وسلم إن كانوا أسلموا، فقالوا: «إنهم على دينهم» ، وفي لفظ قالوا: «بل هم على دينهم» ، فكلامهم رضي الله عنهم صريح في أن بني قيقاع مستقرون على دينهم الذي هو اليهودية، ومع ذلك فقد ردهم النبي صلى الله عليه وسلم وبين أن سبب ردهم هو كونهم مشركين فلهذا لا يستعين بهم على مشركين مثلهم، وليس في سياق الكلام ما يشعر بأن محالفتهم لعبد الله بن أبي جعلتهم خارجين عن كونهم «أهل كتاب» واستحقوا بها حكم المشركين لهذا السبب، وهو انتقال من تعليل واضح قريب مدرَك إلى احتمال بعيد لا يخلوا استنباطه من نوع تكلف.
ثم إن كان موجب ردهم هو محالفتهم لابن أبي المنافق لعلّل الرد بذلك، واختيار اسم الشرك لهم بمجرد تحالفهم معه غير معهود، ولو كان مجرد المحالفة يخرجهم عن كونهم أهل كتاب ويستحقون معها جميع أحكام المشركين لكان أولى منهم بذلك بنو قريظة الذين ناصروا عليه الأحزاب وجاهروا له بذلك، لأنهم أعانوا وحالفوا المشركين شركا صريحًا.
القول الخامس: أن الاستعانة المنهي عنها إنما هي استعانة الذليل بالعزيز، قال العلامة الألوسي - رحمه الله: [على أن بعض المحققين ذكر أن الاستعانة المنهي عنها إنما هي استعانة الذليل بالعزيز، وأما إذا كانت من باب
(1) - (مشكل الآثار: 6/ 74) .