استعانة العزيز بالذليل فقد أذن لنا بها، ومن ذلك اتخاذ الكفار عبيدًا وخدمًا ونكاح الكتابيات منهم، وهو كلام حسن كما لا يخفى] [1]
وهذا تخصيص لعموم ألفاظ الأحاديث الناهية عن الاستعانة من غير دليل يعوّل عليه، خاصة وأن المواضع التي كانت سببًا لورود تلك الأحاديث كان فيها المسلمون أعز ما يكونون، وغزوة بدر التي رد فيها المشرك الذي جاء لنصرته، وإن جاء فيها قول الله عز وجل: {وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللّهُ بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [2] ، فذلتهم لم تكن من جهة الاستعانة وإنما كانت بسبب قلة العدد والسلاح، وأي ذلة يمكن أن تكون في الاستعانة برجل أو رجلين جاءوا بأنفسهم طوعًا طالبين المشاركة في القتال.
القول السادس: أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما رد من رده من المشركين لتفرسه الإسلام في بعضهم، ولتأليف بعضهم عليه، وهذا يمكن إدراجه بصورة أو بأخرى في قول من قال إن الأمر راجع إلى اجتهاد الإمام، قال الإمام ابن حجر -رحمه الله- وهو يذكر بعض طرق الجمع بين أدلة المسألة: [وأجاب غيره في الجمع بينهما بأوجه غير هذه: منها أنه صلى الله عليه وسلم تفرس في الذي قال له: «لا أستعين بمشرك» الرغبة في الإسلام فرده رجاء أن يسلم فصدق ظنه.] [3] ، ثم عقب على هذا بقوله: [وفي كل منهما نظر من جهة أنها نكرة في سياق النفي فيحتاج مدعي التخصيص إلى دليل] .، وقال الإمام الشوكاني بعد أن ذكر هذا القول: [وفيه نظر لأن قوله: لا أستعين بمشرك نكرة في سياق النفي تفيد العموم] [4]
وقال الإمام القرافي -رحمه الله- ناقلًا عن بعض علماء المالكية أنه قال: [لا بأس أن يقوم بمن سالمه على من حاربه لأنه استعان بأهل الكتاب على عبدة الأوثان، والجواب عن الحديث السابق أنه تفرس فيه الإسلام إذ منعه] [5]
قال محمد عليش المالكي: [وجهه أن صفوان كان من المؤلفة قلوبهم، فيحتمل أنه أجازه للتألف لا لخروجه من تلقاء نفسه.] [6] .
القول السابع: أن الاستعانة بهم إنما تجوز حال الضرورة، إلا أن بعض العلماء بنى هذا الحكم على أدلة خاصة من نفس المسألة جعلها كالمخصِّصة لأحاديث النهي، فحمل أدلة الجواز على الضرورة لا غير، وبعضهم جوزها بناء على أن الضرورات تبيح المحظورات كما أبيحت الميتة للمضطر.
(1) - (تفسير الألوسي: 2/ 477) .
(2) - (آل عمران: 123) .
(3) - (فتح الباري: 9/ 301) .
(4) - (نيل الأوطار: 8/ 130) .
(5) - (الذخيرة: 3/ 406) .
(6) - (منح الجليل شرح مختصر: خليل6/ 11) .