قال الإمام الطحاوي -رحمه الله: [وقد روي أنه لما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم جمع أبي سفيان ليخرج إليه يوم أحد، انطلق إلى بني النضير وهم يهود فقال لهم فإما قاتلتم معنا وإما أعرتمونا سلاحا، قال أبو جعفر: ويحتمل أن يكون ذلك لضرورة دعت إليه] [1]
وقال الرحيباني الحنبلي: [ (وتحرم استعانة بكافر) لحديث عائشة ... «فارجع فلن أستعين بمشرك» متفق عليه، ولأن الكافر لا يؤمن مكره وغائلته لخبث طويته، والحرب تقتضي المناصحة، والكافر ليس من أهلها (إلا لضرورة) لحديث الزهري أن النبي صلى الله عليه وسلم استعان بناس من المشركين في حربه رواه سعيد، وروي أيضا أن صفوان بن أمية شهد حنينا مع النبي صلى الله عليه وسلم، وبهذا حصل التوفيق بين الأدلة والضرورة مثل كون الكفار أكثر عددا أو يخاف منهم] [2]
وقال صديق حسن خان بعد أن ذكر أدلة المجوزين والمانعين: [فيجمع بين الأحاديث بأن الاستعانة بالمشركين لا تجوز إلا لضرورة لا إذا لم تكن ثم ضرورة] [3]
وبوَّب الإمام البخاري -رحمه الله- فقال: [باب استئجار المشركين عند الضرورة أو إذا لم يوجد أهل الإسلام] قال الإمام ابن حجر: [هذه الترجمة مشعرة بأن المصنف يرى بامتناع استئجار المشرك حربيا كان أو ذميا إلا عند الاحتياج إلى ذلك كتعذر وجود مسلم يكفي في ذلك .. ثم ذكر حديثين وقال: وكأنه أخذ ذلك من هذين الحديثين مضمومًا إلى قوله صلى الله عليه وسلم «إنا لا نستعين بمشرك» أخرجه مسلم وأصحاب السنن، فأراد الجمع بين الأخبار بما ترجم به] [4]
أما الإمام ابن حزم -رحمه الله- فذهب إلى جواز الاستعانة بالكفار في القتال عند الضرورة، ولكن لم يرُم بذلك الجمع بين الأدلة، فهو لا يرى أن هناك دليلًا يجيز الاستعانة بهم أصلًا، ولكن اعتمد على العمومات التي تبيح فعل المحظور حال الاضطرار، فقال -رحمه الله-:[وقد ذكرنا هذا في كتاب الجهاد من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إننا لا نستعين بمشرك» ، وهذا عموم مانع من أن يستعان به في ولاية، أو قتال، أو شئ من الاشياء، إلا ما صح الإجماع على جواز الاستعانة به فيه، كخدمة الدابة أو الاستئجار، أو قضاء الحاجة ونحو ذلك مما لا يخرجون فيه عن الصغار، والمشرك اسم يقع على الذمي والحربي، قال أبو محمد رحمه الله: هذا عندنا
(1) - (مختصر اختلاف العلماء: 3/ 429) ، ومثل هذا تمامًا قاله الإمام ابن عبد البر -رحمه الله- في (التمهيد: 12/ 37) .
(2) - (مطالب أولي النهى: 2/ 532) ، وقال المرداوي: [والصحيح من المذهب: أنه يحرم الاستعانة بهم إلا عند الضرورة، جزم به في الخلاصة، وقدمه في الفروع، والمحرر، والرعايتين، والحاويين] (الإنصاف7/ 60) ، فكما ترى فإن الإمام المرداوي رحمه الله قد صرح بأن الصحيح من مذهب الحنابلة حرمة الاستعانة بالمشركين إلا عند الضرورة، ولهذا فقد يكون هناك نظر فيما جاء في الموسوعة الفقهية من كون الصحيح من مذهب الحنابلة جواز الاستعانة بالكافر عند الحاجة إذ قالوا: [فذهب الحنفيّة والحنابلة في الصّحيح من المذهب ... إلى جواز الاستعانة بغير المسلم عند الحاجة] اهـ، نعم القول بالجواز عند الحاجة قول معروفٌ في المذهب، لكن الشأن في جعله صحيح مذهبهم، فليحرر.
(3) - (الروضة الندية: 3/ 443) ، وقد ذكرتُ من قبل أن هذا هو أحد أقوال الإمام الشوكاني -رحمه الله-.
(4) - (فتح الباري: 7/ 100) .