الصفحة 33 من 60

مادام في أهل العدل منعة فإن أشفوا على الهلكة واضطروا ولم تكن لهم حيلة فلا بأس بأن يلجئوا إلى أهل الحرب، وأن يمتنعوا بأهل الذمة ما أيقنوا أنهم في استنصارهم لا يؤذون مسلما ولا ذميا في دم أو مال أو حرمة مما لا يحل، برهان ذلك قول الله تعالى: «وقد فصل لكم ما حرم عليكم إلا ما اضطررتم إليه» وهذا عموم لكل من اضطر إليه، إلا ما منع منه نص أو اجماع، فإن علم المسلم واحدا كان أو جماعة أن من استنصر به من أهل الحرب أو الذمة يؤذون مسلما أو ذميا فيما لا يحل، فحرام عليه أن يستعين بهما وإن هلك، لكن يصبر لأمر الله تعالى وإن تلفت نفسه وأهله وماله، أو يقاتل حتى يموت شهيدا كريما، فالموت لابد منه ولا يتعدى أحد أجله] [1]

وقد ذكر الإمام ابن حزم هذا الكلام تحت مسألة: هل يستعان على أهل البغي بأهل الحرب أو بأهل الذمة أو بأهل بغي آخرين.

إلا أن هناك نوعًا آخر سماه الإمام ابن حزم استعانة، فجوزه، وهو ما إذا أمكن المسلمين أن يتخللوا صفوف الكفار ويندسوا بينهم ليضربوا بعضهم ببعض، وهذا النوع ليس من الاستعانة التي يتكلم عنها الفقهاء في هذا الباب، وإنما عنى الإمام ابن حزم بهذه التسمية أن مكيدتنا لأهل الحرب واستثارتهم بتحريش إخوانهم وتهييجهم عليهم يؤدي إلى إضعافهم وإنهاك قوتهم فكأننا بذلك قد استعنا ببعض الكفار على بعض، لأن ضرب هؤلاء معونة لنا على إضعاف أولئك وضرب أولئك معونة لنا على هؤلاء حتى يمكِّننا الله من الفريقين، فقال -رحمه الله: [وإن أمكننا أن نضرب بين أهل الحرب من الكفار حتى يقاتل بعضهم بعضا، ويدخل إليهم من المسلمين من يتوصل بهم إلى أذى غيرهم فذلك حسن، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله ينصر هذا الدين بقوم لا خلاق لهم» قال أبو محمد رحمه الله: فهذا يبيح الاستعانة على أهل الحرب بأمثالهم، وعلى أهل البغي بأمثالهم من المسلمين الفجار الذين لا خلاق لهم] [2]

القول الثامن: أن الاستعانة بالمشركين غير جائزة بحالٍ، لا عند الضرورة ولا غيرها، وهذا القول في الحقيقة ليس فيه جمع بين أدلة المنع والجواز، وإنما هو اعتماد مطلق على أحاديث النهي، وكأنهم لم يلتفتوا أصلًا إلى الأدلة التي ذهب إليها المجوزون ولم يعتبروها صالحة للاستدلال فضلا عن المعارضة فأسقطوها رأسًا، وهو رواية عن الإمام أحمد، وإليه ذهب أصبغ من المالكية، وأحد أقوال الإمام الشوكاني في المسألة، وبعض أئمة الدعوة النجدية، وإليه ذهب العلامة الألباني والعلامة حمود العقلاء من المعاصرين.

(1) - (المحلى: 11/ 113) .

(2) - (المحلى: 11/ 113) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت