فبهذه الأوجه التي ذكرتها حاول العلماء -رحمهم الله - الجمع بين أدلة النهي عن الاستعانة بالمشركين في القتال، والأدلة التي يُفهم منها جواز ذلك، وسأحاول بعون الله وتوفيقه ترجيح ما تظهر لي قوة دليله.
فعند التأمل والنظر نجد أن أدلة المانعين تعد أقوى من جهة الثبوت، وأصرح من حيث الدلالة، وأكثر تكرارًا لتأكيد الحكم، وأبْيَن في تعليله، وألصق بعين المسألة، ولذا فينبغي أن تكون هي الأصل التي يعول عليه ثم ينظر بعد ذلك فيما يظهر معارضته لها ومن ثَم سلوك مسلك الجمع أو الترجيح للتوفيق بينها.
فالحق أن كل الأدلة التي صحت واعتمدها المجوزن للاستعانة يمكن حملها على حالات وصور لا تعارض فيها أدلة المنع، كما سنرى إن شاء الله، مع استحضار أن الكلام متوجه للاستعانة بالمشركين في خصوص القتال، ولا يشكل على ذلك إشكالًا قويًا معتبرًا إلا حديثٌ واحد رغم ندرة ذكره في كتب الفقهاء وأبحاث الباحثين، وعليه فنتكلم على هذا الحديث أولًا ثم نعرج على باقي الأدلة لننظر في الأوجه التي يمكن أن تجتمع بها مع أدلة المانعين.
والحديث الذي قصدته هو ما رواه الإمام الطحاوي -رحمه الله - فقال: [حدثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: حدثني عبد الرحمن بن شريح أنه سمع الحارث بن يزيد الحضرمي يحدث عن ثابت بن الحارث الأنصاري، عن بعض من كان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لما بلغ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم جمعُ أبي سفيان ليخرج إليه يوم أحد، فانطلق إلى اليهود الذين كانوا في النضير، فوجد منهم نفرا عند منزلهم، فرحبوا، فقال: «إنا جئناكم لخير، إنا أهل الكتاب وأنتم أهل الكتاب، وإن لأهل الكتاب على أهل الكتاب النصر، وإنه بلغنا أن أبا سفيان قد أقبل إلينا بجمع من الناس، فإما قاتلتم معنا، أو أعرتمونا سلاحا» ] [1]
فسند هذا الحديث في غاية الصحة ورجاله كلهم أئمة أثبات ثقات إلا ثابت بن الحارث الأنصاري فقد اختلف في صحبته [2]
(1) - (مشكل الآثار: 6/ 73) .
(2) - فيونس شيخ الإمام الطحاوي، هو يونس بن عبد الأعلى الصدفي أبو موسى روى له مسلم، والنسائي، وابن ماجة، قال عنه الذهبي: ثقة فقيه محدث مقرئ من العقلاء النبلاء (الكاشف2/ 403) ، وقال عنه الإمام ابن حجر: ثقة، توفي سنة: 264هـ.
وابن وهب هو عبد الله بن وهب بن مسلم أبو محمد المصرى الإمام الفقيه المعروف، روى له الستة، قال عنه الحافظ بن حجر: ثقة حافظ عابد، توفي سنة: 197هـ.
و عبد الرحمن بن شريح بن عبيد الله بن محمود المعافري، أبو شريح الإسكندراني، روى له الستة، وقال عنه الحافظ: ثقة فاضل، توفي سنة: 167هـ.
والحارث بن يزيد الحضرمي أبو عبد الكريم المصري، روى له مسلم، والنسائي، وأبو داود، وابن ماجة، قال عنه الحافظ بن حجر: ثقة ثبت عابد، توفي سنة: 130هـ.
وثابت بن الحارث الأنصاري، عده ابن حجر في بعض كتبه من الصحابة كما في (الإصابة:1/ 384) ، وقال الحافظ أيضا: [وقد ذكره في الصحابة الحسن بن سفيان، والبغوي، وابن مندة، وغيرهم ومن قبلهم محمد بن سعد] (تعجيل المنفعة:1/ 62) ، إلا أنه قال في آخر كلامه عنه: ولم أجد في طريق من طرق أحاديثه أنه صرح بسماعه من النبي صلى الله عليه وسلم والذى يظهر أنه تابعي (تعجيل المنفعة:1/ 62) ، بل عده بعض العلماء من البدريين كما قال الإمام ابن الأثير: شهد بدرا يعد في المصريين (أسد الغابة1/ 139) ، وذكره بعضهم في التابعين، فقال عنه العجلي: ثابت بن الحارث الأنصاري مصرى تابعي ثقة (معرفة الثقات: 1/ 259) . وأطال الشيخ الألباني الكلام عن ثابت بن الحارث هذا في السلسلة الضعيفة وخلص إلى أنه ليس صحابيًا فقال: [والخلاصة: أن ثابتا هذا لم تثبت صحبته، فهو تابعي، وحينئذ لا بد من إثبات عدالته بالنقل عن أحد أئمة الجرح والتعديل، وهذا معدوم ... وعليه تكون أحاديثه معلولة بالجهالة تارة وبها وبالإرسال تارة] (السلسلة الضعيفة13/ 263) ولهذا قال عن هذا الحديث: منكر.
قلت: ولكن قال العجلي: مصري تابعي ثقة، وقال الإمام ابن حجر عنه: [وذكره ابن خلفون في الثقات بهذه الترجمة لم يزد] (تعجيل المنفعة1/ 62) فالظاهر - والله أعلم - أن الحديث لا يتنزل عن درجة الاحتجاج به، لأن شأن ثابت بن الحارث الأنصاري دائر بين كونه صحابيًا وحينئذ لا يحتاج إلى تعديل، وبين كونه تابعيًا وقد وثقه بعض الأئمة ولم ينقل فيه غيرهم جرحًا والله تعالى أعلم.