الصفحة 36 من 60

ففي هذا الحديث قال النبي صلى الله عليه وسلم ليهود بني النضير: [فإما قاتلتم معنا، أو أعرتمونا سلاحا] ، وهو طلبٌ صريح منه صلى الله عليه وسلم أن يعينوه في قتاله للمشركين فإما أن يشاركوا بأنفسهم، أو يقووا جيش الإسلام بإعارتهم السلاح.

والذي وقفت عليه من كلام العلماء في توجيه هذا الحديث خصوصًا طريقان:

الأولى: تخصيص جواز الاستعانة بأهل الكتاب دون من سواهم من المشركين، كما نقتله آنفًا عن الإمام الطحاوي، بناءً على أن أهل الكتاب لا يشملهم لفظ «المشركين» الوارد في الأحاديث التي تنهى عن الاستعانة بهم، فقال رحمه الله: [لأن اليهود الذين دعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث إلى قتال أبي سفيان معه ليسوا من المشركين الذين قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الآثار الأول إنه لا يستعين بهم] [1] ، وقد بينا سابقا ضعف هذا التوجيه وبعده.

الثانية: أن طلب النبي صلى الله عليه وسلم الاستعانة بهؤلاء اليهود إنما كان لضرورة، فكأن هؤلاء العلماء قد استقر عندهم ابتداء أن الأصل الثابت هو النهي عن الاستعانة بالكفار، وهذه الحالة العينية التي ثبتت فيها استعانته صلى الله عليه وسلم بهم محمولة على حال الضرورة، وهو توجيه ثان ذهب إليه الإمام الطحاوي -رحمه الله- فقال: [وقد روي أنه لما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم جمع أبي سفيان ليخرج إليه يوم أحد، انطلق إلى بني النضير وهم يهود فقال لهم: «فإما قاتلتم معنا، وإما أعرتمونا سلاحا» ، قال أبو جعفر: ويحتمل أن يكون ذلك لضرورة دعت إليه] [2]

والذي يظهر لي -والله تعالى أعلم- أن هذا حصل حينما كان بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين اليهود موادعة تشارطوا فيها لبعضهم، وذلك أول مقدمه المدينة، فجاءت استعانته بهم بناء على بعض بنود المعاهدة، وقد يفهم ذلك من نفس الحديث المذكور، إذ جاء فيه: «وإن لأهل الكتاب على أهل الكتاب النصر» ، ولا شك أن وجوب نصرتنا لأهل الكتاب والعكس ليس حكما شرعيًا ثابتًا محكمًا مستقرًا مستمرًا، وإنما كان هذا جزءًا من الاتفاق الذي أبرمه النبي صلى الله عليه وسلم مع اليهود في أول أيام هجرته، وذلك لما كان أمر الإسلام ضعيفًا، ولهذا لا أحسب أن أحدًا من العلماء يقول إنه يجب على المسلمين مناصرة أهل الكتاب على أعدائهم على كل حال، كما أنهم لا يوجبون عليهم مناصرتنا ضد أعدائنا، وعليه فالظاهر أن لفظ «أهل الكتاب» في هذا الحديث هو من العام

(1) - (مشكل الآثار: 6/ 73) .

(2) - (مختصر اختلاف العلماء: 3/ 428 - 429) .

وللإمام ابن عبد البر كلام يكاد يكون مطابقًا لهذا: (التمهيد: 12/ 36) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت