الصفحة 37 من 60

المراد به الخصوص وهم يهود المدينة الذين وادعهم رسول الله صلى الله عليه وسلم دون غيرهم، كما أن النصر المقصود هو المعهود عندهم، وهو ما تشارطوه في الكتاب الذي كان بينهم، فكأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول لهم، وأنتم تعلمون أن لنا عليكم حق النصرة كما اتفقنا معكم، فوفّوا بالشرط إما بقتالكم معنا وإما بإعارتنا السلاح.

هذا وما ذكرناه هنا قد جاء مصرحًا به في وثيقة موادعة النبي صلى الله عليه وسلم ليهود المدينة، كما روى الإمام أبو عبيد القاسم بن سلام بسند صحيح عن الزهري أنه قال:[بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب بهذا الكتاب: هذا الكتاب من محمد النبي رسول الله بين المؤمنين والمسلمين قريش وأهل يثرب ومن تبعهم فلحق بهم فحلَّ معهم وجاهد معهم ... وفيه:

وأن اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين ... وأن بينهم النصر على من حارب أهل هذه الصحيفة، وأن بينهم النصيحة والنصر للمظلوم، وأن المدينة جوفها حرم لأهل هذه الصحيفة ... وأن بينهم النصر على من دهم يثرب، وأنهم إذا دعوا اليهود إلى صلحِ حليفٍ لهم فإنهم يصالحونه، وإن دعونا إلى مثل ذلك فإنه لهم على المؤمنين، إلا من حارب الدين.] [1]

وعما جاء في الصحيفة من قوله: «وإن اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين» قال الإمام أبو عبيد:[فهذه النفقة في الحرب خاصة شرط عليهم المعاونة له على عدوه، ونرى أنه إنما كان يسهم لليهود إذا غزوا مع المسلمين بهذا الشرط الذي شرطه عليهم من النفقة، ولولا هذا لم يكن لهم في غنائم المسلمين سهم .... إلى أن قال:

وإنما كان هذا الكتاب فيما نرى حدثان مقدم رسول الله المدينة قبل أن يظهر الإسلام ويقوى، وقبل أن يؤمر بأخذ الجزية من أهل الكتاب، وكانوا ثلاث فرق: بنو القينقاع، والنضير، وقريظة.

فأول فرقة غدرت ونقضت الموادعة بنو القينقاع، وكانوا حلفاء عبد الله بن أبي، فأجلاهم رسول الله عن المدينة، ثم بنو النضير، ثم قريظة] [2]

وقد روى أبو داود، والطبراني في الكبير، والبيهقي واللفظ له في قصة مقتل كعب بن الأشرف عن كعب بن مالك -وهو أحد الثلاثة الذين تيب عليهم - أنه قال:[أن كعب بن الأشرف اليهودي كان شاعرًا، وكان يهجو رسول الله صلى الله عليه وسلم ويحرض عليه كفار قريش في شعره، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم المدينة وأهلها أخلاط، منهم المسلمون الذين تجمعهم دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومنهم المشركون الذين يعبدون الأوثان، ومنهم اليهود وهم أهل الحلقة والحصون، وهم حلفاء للحيين الأوس والخزرج، فأراد رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قدم المدينة

(1) - (الأموال: 1/ 263) .

(2) - (الأموال: 1/ 266) .

وقد ذكر الإمام بن سيد الناس وثيقة الموادعة هذه ثم قال: [هكذا ذكره ابن إسحاق و قد ذكره ابن أبي خيثمة فأسنده: حدثنا أحمد بن جناب أبو الوليد حدثنا عيسى بن يونس حدثنا كثير بن عبد الله بن عمرو المزني عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب كتابا بين المهاجرين والأنصار فذكره بنحوه] (عيون الأثر: 1/ 318) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت