استصلاحهم كلهم، وكان الرجل يكون مسلمًا وأبوه مشرك، والرجل يكون مسلما وأخوه مشرك، وكان المشركون واليهود من أهل المدينة حين قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم يؤذون رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه أشد الأذى ... فلما قتلوه (أي قتلوا كعب بن الأشرف) فزعت اليهود ومن كان معهم من المشركين، فغدوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أصبحوا، فقالوا إنه طرق صاحبنا الليلة، وهو سيد من سادتنا فقتل، فذكر لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي كان يقول في أشعاره وينهاهم به، ودعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أن يكتب بينه وبينهم وبين المسلمين كتابا ينتهوا إلى ما فيه، فكتب النبي صلى الله عليه وسلم بينه وبينهم وبين المسلمين عامة صحيفة، كتبها رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت العذق الذي في دار بنت الحارث، فكانت تلك الصحيفة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم عند علي بن أبي طالب رضي الله عنه] [1]
فلا يبعد أن تكون هذه الصحيفة التي كتبها النبي صلى الله عليه وسلم بينه وبين اليهود وبين المسلمين عقب مقتل كعب هي نفس وثيقة الموادعة التي نقلت بعضًا منها في رواية أبي عبيد القاسم بن سلام، خاصة وأن كلا الحديثين من رواية الزهري.
وكعب بن الأشرف كان يهوديًا وأمه من بني النضير، فإن صح أن ما كتبه النبي صلى الله عليه وسلم بينه وبين اليهود بعد مقتل كعب هو نفسه الكتاب الذي ذكره أبو عبيد وغيره، فهذا يعني أنه كُتب متأخرًا بعد غزوة بدر بستة أشهر، وذلك لأن ابن الأشرف قتل في ربيع الأول من السنة الثالثة كما ذكر ابن سعد، أي بين بدرٍ وأحد، فغزوة أحد كانت في شوال من السنة الثالثة، وهذا ما يؤكد أن النبي صلى الله عليه وسلم حينما طلب من بني النضير مناصرته في غزوة أحد كانت الصحيفة قد كتبت بينه وبينهم، وهو ما يقوي أن يكون هذا الطلب بناءً على بنود معهودة معروفة تضمنتها وثيقة الموادعة.
وعلى كل حال فموادعة النبي صلى الله عليه وسلم ليهود المدينة عند قدومه إليها متفقٌ عليها بين علماء السير كما قال الإمام الشافعي -رحمه الله-: [لم أعلم مخالفًا من أهل العلم بالسير، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما نزل المدينة وادع يهود كافة على غير جزية] [2]
قال الإمام ابن القيم معلقًا على كلام الشافعي: [وهو كما قال الشافعي -رحمه الله تعالى- وذلك أن المدينة كان فيما حولها ثلاثة أصناف من اليهود، بنو قينقاع، وبنو النضير، وبنو قريظة، وكان بنو قينقاع وبنو النضير حلفاء الخزرج، وكانت قريظة حلفاء الأوس، فلما قدم النبي صلى الله عليه وسلم هادنهم ووادعهم مع إقراره لهم ولمن كان حول المدينة من المشركين من حلفاء الأنصار على حلفهم وعهدهم الذي كانوا عليه، حتى إنه عاهد اليهود أن يعينوه إذا حارب] [3]
(1) - وصححه الألباني -رحمه الله- (صحيح سنن أبي داود: 3/ 154) .
(2) - (الأم: 4/ 210) .
(3) - (أحكام أهل الذمة: 3/ 1404) .