وقال أيضًا: [وهذه الصحيفة معروفة عند أهل العلم روى مسلم في صحيحه عن جابر رضي الله عنه قال: «كتب رسول الله على كل بطن عقوله ثم كتب أنه لا يحل لمسلم أن يتولى مولى رجل مسلم بغير إذنه» فقد بين فيها أن كل من تبع المسلمين من اليهود فإن له النصر، ومعنى الاتباع مسالمته وترك محاربته لا الاتباع في الدين كما بينه في أثناء الصحيفة فكل من أقام بالمدينة ومخاليفها غير محارب من يهود دخل في هذا] [1]
وقال في خصوص بني النضير الذين وردت استعانة النبي صلى الله عليه وسلم بهم: [وأما النضير وقريظة فكانوا خارجا من المدينة، وعهدهم مع رسول الله أشهر من أن يخفى على عالم] [2]
وقال رحمه الله: [فقد ذكر ابن كعب مثل ما في هذه الصحيفة، وبين أنه عاهد جميع اليهود، وهذا مما لا يعلم فيه نزاع بين أهل العلم بسيرة النبي صلى الله عليه وسلم، ومن تأمل الأحاديث المأثورة والسيرة كيف كانت معهم علم ذلك ضرورة] [3]
وعليه فإن طلب النبي صلى الله عليه وسلم من بني النضير إعانته على حرب أبي سفيان إما بأنفسهم وإما بسلاحهم كان بناءً على وثيقة الاتفاق التي كانت بينه وبينهم، وإنما حصلت تلك الموادعة في أول أيام الإسلام بالمدينة حيث كان المسلمون في ضعف، ولم ينزل كثيرٌ من الأحكام الشرعية، وخاصة أحكام الجهاد والتي منها فرض الجزية، وإخراج المشركين من جزيرة العرب كما أوصى رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك وهو على فراش الموت.
فالضرورة أو ما يقاربها هي التي ألجأت النبي صلى الله عليه وسلم إلى تلك الموادعة لانشغاله بقتال قريش الذين اشتدوا في حربهم له بعد هجرته، وحتى لا يثير أهل المدينة ومَن حولها عليه ولمَّا يترسخ أمرُ الإسلام ويتقوَّ فيها، لا سيما وأهل المدينة من الأوس والخزرج كانوا حديثي عهد بحروب طاحنة وعصبيات جاهلية عميقة قد يستغلها الخصوم فيثيرونها ويفجرونها بمكائدهم ودسائسهم، خاصة من قِبل اليهود الحاقدين الذين ما فتئوا يغتنمون أدنى الفرص لذلك، فبسبب ذلك كله وقعت الموادعة والتي كان من ضمن شروطها: «وأن بينهم النصر على من حارب أهل هذه الصحيفة ... وأن بينهم النصر على من دهم يثرب» .
فلعلَّ مجموع هذه الأمور التي ذكرتها هي الضرورة التي قصدها الإمامان الطحاوي وابن عبد البر فيما نقلته عنهما إذ قالا: [يحتمل أن يكون لضرورة دعته إلى ذلك] .
وإذا استقام وصح أن الضرورة التي دعت النبي صلى الله عليه وسلم للاستعانة بيهود بني النضير هي ما ذكرتُ، فهل هذا الحكم يعد منسوخًا بناء على أن بعض أحاديث النهي عن الاستعانة بالمشركين جاءت متأخرة عن هذه الحادثة، ولأن ذلك كان في أول أمر الإسلام وحالة ضعفه وقبل أن تنزل آية السيف وفرض الجزية، أم أن هذا
(1) - (أحكام أهل الذمة: 3/ 1408) .
(2) - (نفس المصدر: 3/ 1410) .
(3) - (نفس المصدر: 3/ 1411) .