الصفحة 41 من 60

وقال الإمام ابن حجر: [وإذا ثبت أن سبب إجلاء بني النضير ما ذكر من همهم بالغدر به صلى الله عليه عليه وسلم، وهو إنما وقع عندما جاء إليهم ليستعين بهم في دية قتيلي عمرو بن أمية، تعين ما قال بن إسحاق؛ لأن بئر معونة كانت بعد أحد بالاتفاق] [1]

فالظاهر أن الراجح هو تأخر غزوة بني النضير عن أحد، والتي وقعت بين بدر وأحد هي غزوة بني قينقاع وهم أول من أجلاه النبي صلى الله عليه وسلم من اليهود، وعليه فالمتحتم هو البحث في توقيت ورود الأحاديث الصحيحة التي نهت عن الاستعانة بالمشركين، وهل هي متأخرة عن غزوة أحد أم لا، حتى يمكن القول بنسخ جواز الاستعانة التي وردت في الحديث الذي رواه الطحاوي، هذا مع التنبه إلى أن القول بالنسخ إنما يكون عند العجز عن الجمع بين الأدلة، فالإعمال أولى من الإهمال مهما أمكن ذلك.

فأول وأصح الأحاديث التي جاء فيها التصريح بعدم الاستعانة بالمشركين، هو حديث عائشة رضي الله عنها الذي رواه الإمام مسلم وغيره، وهو أول أدلة المانعين التي ذكرتها في مطلع هذا البحث، وفيه: «فارجع فلن أستعين بمشرك» ، وهذا الحديث هو متقدمٌ قطعًا عن حديث الإمام الطحاوي، إذ جاء فيه التصريح بأنه كان في غزوة بدر كما قالت عائشة رضي الله عنها: «خَرَجَ رَسُولُ اللّهِ قِبَلَ بَدْرٍ» ،وفي هذا الحديث قالت عائشة رضي الله عنها: «ثم مضى حتى إذا كنا بالشجرة أدركه الرجل» ، وعائشة رضي الله عنها لم تشهد بدرًا فكيف تقول «كنا» بضمير جمع المتكلمين، وقد أجاب عن هذا الإشكال الإمام النووي رحمه الله فقال: [هكذا هو في النسخ: حتى إذا كنا، فيحتمل أن عائشة كانت مع المودعين فرأت ذلك، ويحتمل أنها أرادت بقولها كنا كان المسلمون والله أعلم] [2]

فهذا الحديث لا يمكن أن يكون ناسخًا لحديث استعانته ببني النضير، لأنه متقدمٌ عليه، والسابق لا ينسخ اللاحق، هذا على افتراض التعارض من كل وجه، وعدم إمكانية الجمع بينهما.

وأما ثاني الأحاديث فهو حديث خبيب بن عبد الرحمن عن أبيه عن جده، وهذا الحديث لم يصرح في أي الغزوات التي ردهما فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم لشركهما، وإنما قال: «خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض غزواته» ، وجَدُّ خبيب بن عبد الرحمن، هو خبيب بن يساف أو أساف صحابيٌ، فمن العلماء من جعله بدريًا فكانت قصة إسلامه هذه في غزوة بدر، ومنهم من جعل أول غزوة يشهدها مع النبي صلى الله عليه وسلم هي غزوة أحد، بل إن ابن سعد عدَّ الرجل الذي رده النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة بدر -كما في حديث عائشة السابق- هو نفسه خبيب بن يساف، وقصته هي نفس القصة، فقال بعدما روى حديث عائشة المذكور وقبله حديث خبيب: [وهو خبيب بن يساف وكان قد تأخر إسلامه، حتى خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بدر فلحقه فأسلم في الطريق، وشهد بدرًا، وأحدًا والخندق، والمشاهد كلها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وتوفي في خلافة عثمان بن عفان] [3]

(1) - (فتح الباري: 7/ 332) .

(2) - (شرح النووي على مسلم: 12/ 199) .

(3) - (الطبقات الكبرى: 3/ 535) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت