وكذلك قال أبو القاسم بن بشكوال: [الرجل الذي قال له النبي صلى الله عليه وسلم إنا لن نستعين بمشرك الراوي، وحسن إسلامه هو خبيب بن يساف قال ذلك الواقدي في مغازيه عن أشياخه] [1]
وقد عده ابن إسحاق وموسى بن عقبة والواقدي ممن شهد بدرًا وهؤلاء هم أهل السير.
وقال الحافظ بن حجر عن خبيب: [صحابي شهد بدرًا ... وذكر بن إسحاق عن حفيده خبيب بن عبد الرحمن قال: ضرب جدي يوم بدر فمال شقه فتفل عليه النبي صلى الله عليه وسلم ورده ولأمه] [2]
وما ذكره الحافظ هنا عن ابن إسحاق جاء في نفس رواية رد النبي صلى الله عليه وسلم له كما عند الأصبهاني عن خبيب: [قال فأسلمنا وشهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأصابتني ضربة على عاتقي فجافتني، فتعلقت يدي، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فتفل عليها وألزقها فالتأمت وبرأت] [3]
وقال ابن أبي حاتم: [خرج مع النبي صلى الله عليه وسلم وهو مشرك فرده النبي صلى الله عليه وسلم ثم اسلم فشهد أحدًا] [4] ، فيُفهم من كلامه أن أول مشهد له كان غزوة أحد.
وعلى كل حال فالظاهر أن خبيبًا كان بدريًا كما ذهب إليه جل العلماء، وعليه فقصة رده وإسلامه تكون يوم بدرٍ، فهو إما نفسه الذي رده رسول الله صلى الله عليه وسلم على ما جاء في حديث عائشة رضي الله عنها، كما ذهب إلى ذلك ابن سعد، وإما أن تكون قصة مستقلة، فيكون أمر الرد تكرر ذلك اليوم، وكل ذلك لا يضر في وجه الشاهد الذي سيق له الدليل، وهو كون القصة جاءت قبل استعانة النبي صلى الله عليه وسلم بيهود بني النضير والتي كانت في أحد، وعليه فلا تكون ناسخة لحكم تلك الاستعانة، تمامًا كحديث عائشة رضي الله عنها.
وإن قيل إنه يحتمل أن تكون قصته يوم أحد، فكذلك هذا لا يؤثر؛ فالنسخ لا يحصل بأدلة محتملة بل لا بد من تحقق التاريخ وتيقن التأخر، والله أعلم.
وأما ثالث أحاديث المنع من الاستعانة بالمشركين فهو حديث أبي حميد الساعدي رضي الله عنه، والذي صرح فيه أن هذه القصة كانت يوم أحد كما قال: «خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد» ، وعند التأمل في هذا الحديث يظهر أن فيه إشكالًا قويًا، ولم أر أحدًا -فيما اطلعت - أثاره أو نبه عليه، ووجه الإشكال هو أن هذه القصة جاء فيها أن اليهود الذين كانوا مع عبد الله بن أبي هم مواليه من بني قينقاع، كما جاء: «قالوا: هذا عبد الله بن أبي بن سلول في مواليه من اليهود من بني قينقاع، وهم رهط عبد الله بن سلام» .
(1) - (غوامض الأسماء المبهمة: 1/ 210) .
(2) - (تعجيل المنفعة: 1/ 116) .
(3) - (دلائل النبوة للأصبهاني: 1/ 109) ، والبيهقي (الدلائل: 6/ 371) .
(4) - (الجرح والتعديل: 3/ 387)