الصفحة 43 من 60

ومعلومٌ عند أهل السير أن بني قينقاع قد تم إجلاؤهم في شهر شوال من السنة الثانية أي بعد غزوة بدر بنحو شهرٍ فقط، فمن إجلائهم إلى غزوة أحد سنة كاملة، فكيف خرجوا مع ابن أبي حتى يكونوا هم الذين ردهم النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة أحد بقوله: «قل لهم فليرجعوا فإنا لا نستعين بالمشركين على المشركين» .

قال الحافظ ابن حجر -رحمه الله-: [فكان أول من نقض العهد من اليهود بنو قينقاع، فحاربهم في شوال بعد وقعة بدر، فنزلوا على حكمه وأراد قتلهم، فاستوهبهم منه عبد الله بن أبي، وكانوا حلفاءه فوهبهم له وأخرجهم من المدينة إلى أذرعات] [1]

فقد تم إجلاء بني قينقاع إلى هذا الموضع البعيد جدًا عن المدينة، فكيف جاء بهم عبد الله بن أبي يوم أحد، بل كيف سيتطوعون ليعينوا النبي صلى الله عليه وسلم على قتال كفار قريش وهو الذي أخرجهم من المدينة راغمين صاغرين!

وقال الحافظ أيضًا: [وذكر الواقدي أن إجلاءهم كان في شوال سنة اثنتين، يعني بعد بدر بشهر، ويؤيده ما روى ابن إسحاق بإسناد حسن عن ابن عباس قال لما أصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قريشا يوم بدر جمع يهود في سوق بني قينقاع، فقال: يا يهود أسلموا قبل أن يصيبكم ما أصاب قريشا يوم بدر، فقالوا: إنهم كانوا لا يعرفون القتال، ولو قاتلتنا لعرفت أنا الرجال] [2]

وقال الإمام ابن القيم -رحمه الله-: [فحاربته بنو قينقاع بعد ذلك بعد بدر، وشرقوا بوقعة بدر، وأظهروا البغي والحسد، فسارت إليهم جنود الله يقدمهم عبد الله ورسوله يوم السبت للنصف من شوال على رأس عشرين شهرًا من مهاجره، وكانوا حلفاء عبد الله بن أبي ابن سلول ... وحاصرهم خمسة عشر ليلة إلى هلال ذي القعدة، وهم أول من حارب من اليهود وتحصنوا في حصونهم فحاصرهم أشد الحصار ... فنزلوا على حكم رسول الله في رقابهم، وأموالهم، ونسائهم، وذريتهم، فأمر بهم فكتفوا، وكلم عبد الله بن أبي فيهم رسول الله وألح عليه، فوهبهم له، وأمرهم أن يخرجوا من المدينة ولا يجاوروه بها، فخرجوا إلى أذرعات من أرض الشام، فقلَّ أن لبثوا فيها حتى هلك أكثرهم] [3]

هذا وقد جاء في بعض روايات حديث أبي حميد الساعدي التصريحُ بأن القصة كانت عند خروج النبي صلى الله عليه وسلم إلى أحد، وأطلقت بعض الروايات ولم تعين الغزوة، كما أن بعض الروايات جاء ذكر بني قينقاع فيها صريحًا وبعضها بخلاف ذلك [4]

(1) -] (فتح الباري: 7/ 330) .

قال ياقوت الحموي: [أذرعات: بالفتح ثم السكون وكسر الراء وعين مهملة وألف وتاء، كأنه جمع أذرعة، جمع ذراع جمع قلة، وهو بلد في أطراف الشام، يجاور أرض البلقاء وعمان ينسب إليه الخمر] (معجم البلدان: 1/ 130) .

(2) - (فتح الباري: 7/ 332) .

(3) - (زاد المعاد: 3/ 126) .

(4) - فممن روى أن هؤلاء القوم هم بنو قينقاع الحاكم (المستدرك: 2/ 133) ، والطبراني (الأوسط: 5/ 221) ، والطحاوي (مشكل الآثار: 6/ 47) ، وابن المنذر (الأوسط: 10/ 35) ، والبيهقي (السنن الكبرى: 9/ 37) ، و (معرفة السنن والآثار: 14/ 287) ، وابن أبي عاصم (الآحاد والمثاني: 6/ 18) ، وابن سعد (الطبقات الكبرى: 2/ 48) ، فعند هؤلاء جميعا وغيرهم ذكروا أن الذين ردهم رسول الله صلى الله عليه وسلم هم بنو قينقاع الذين كانوا خارجين مع عبد الله بن أبي، وقد نقلنا من صحح هذا الحديث من الأئمة عند ذكر حجج المانعين للاستعانة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت