ولا شك أن بني قينقاع هم موالي عبد الله بن أبي وهم رهط عبد بن سلام كما جاء في حديث أبي حميد الساعدي وفي غيره من الأحاديث، فقد روى البخاري ومسلم عن ابن عمر رضي الله عنهما: [حاربت النضير، وقريظة، فأجلى بني النضير وأقر قريظة، ومنَّ عليهم حتى حاربت قريظة، فقتل رجالهم، وقسم نساءهم، وأولادهم، وأموالهم بين المسلمين، إلا بعضهم لحقوا بالنبي صلى الله عليه وسلم فآمنهم، وأسلموا، وأجلى يهود المدينة كلهم، بني قينقاع وهم رهط عبد الله بن سلام ويهود بني حارثة وكل يهود المدينة] .
فالخلاصة في هذا الحديث: أن الأمر المحقق والذي يكاد يكون مقطوعًا به ولا يختلف فيه علماء السير وغيرهم، أن يهود بني قينقاع كانوا أول من تم إجلاؤهم من المدينة، وأن إجلاءهم وقع عقيب غزوة بدرٍ، فهو بلا شك قبل غزوة أحد التي كانت في شوال من السنة الثالثة للهجرة بالاتفاق، وبناء على هذه الحقيقة فلا وجه لأن يكون يهود بني قينقاع قد خرجوا مع عبد الله بن أبي في غزوة أحدٍ في كتيبة «خشناء» أي كثيرة السلاح بعدما نُفوا إلى أذرعات بالشام.
ولا يمكن -فيما أرى- تجاوز هذا الإشكال تجاوزًا مقبولًا مقنعًا إلا بواحد من الاحتمالات التالية:
الإحتمال الأول: أن يكون إقحام غزوة أحد في الحديث وهمًا من أحد الرواة، وعليه فتكون الغزوة التي خرج فيها عبد الله بن أبي بهذه الكتيبة هي بدرٌ وليست أحدًا، لأنها الغزوة السابقة لإجلائهم، فقد كانت محاصرة بني قينقاع بعد غزوة بدر بنحو شهر فقط، وعليه فيكون سؤال النبي صلى الله عليه وسلم لمَّا رأى عبد الله بن أبي ومَن معه مِن مواليه فقال: «أوقد أسلموا؟» ليس خاصًا باليهود الذين كانوا مع ابن سلول بل يدخل فيهم أيضًا ابن أبي نفسه، لأنه إذ ذاك لم يكن تستر بنفاقه بل كان مصرحًا بالكفر والشرك، وإنما تظاهر بالإسلام بعد غزوة بدر وظهور شوكة المسلمين كما جاء في البخاري وغيره عن أسامة بن زيد قال: [فلما غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم بدرا، فقتل الله به صناديد كفار قريش، قال ابن أبي ابن سلول ومن معه من المشركين وعبدة الأوثان: هذا أمر قد توجه، فبايعوا الرسول صلى الله عليه وسلم على الإسلام فأسلموا] .
وبناء على ذلك أيضًا يكون جواب الصحابة للنبي صلى الله عليه وسلم حينما قالوا: «إنهم على دينهم» مقصودًا به جَمْعُ ابن أبي كله بما فيهم هو؛ لأنه إلى ذلك الوقت كان مجاهرًا بشركه ومعلنًا بكفره، فيكون قول النبي صلى الله عليه وسلم: «قل لهم فليرجعوا فإنا لا نستعين بالمشركين على المشركين» شاملًا لهم جميعًا، فإذا صح هذا الاحتمال، فلا يمكن القول بأن هذا الحديث ناسخٌ للحديث الذي رواه الطحاوي في استعانته صلى الله عليه وسلم ببني النضير، لأن ذلك في غزوة أحد، فيكون متأخرًا عن حديث أبي حميد الساعدي، والمتقدم لا ينسخ المتأخر.
هذا ويمكن الاستئناس لهذا الاحتمال بالروايات التي لم يذكر فيها غزوة أحد كما جاء في عدد من كتب الحديث.