الصفحة 45 من 60

الإحتمال الثاني: أن يكون اليهود الذين أحضرهم معه عبد الله بن أبي يوم أحد ليسوا مواليه من بني قينقاع رهط عبد الله بن سلام، وإنما هم قومٌ آخرون، أو المقصود بعض بقاياهم، وهذا الاحتمال أضعف وأبعد من سابقه، لأن المعروف أن رهط عبد الله بن سلام هم بنو قينقاع موالي ابن أبي، ثم إن ابن أبي قد خرج مع النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد وإنما انخزل بمن معه من المنافقين بنفسه وكانوا ثلاثمائة، ولم يرده النبي صلى الله عليه وسلم ردًا وفي ذلك نزل قول الله عز وجل: {وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللّهِ أَوِ ادْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لاَّتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلإِيمَانِ يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِم مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ} [1]

فلو صح هذا الاحتمال -وهو بعيد جدًا- فيكون صلى الله عليه وسلم قد قال: «قل لهم فليرجعوا فإنا لا نستعين بالمشركين على المشركين» بعد ذهابه لبني النضير ليعينوه بأنفسهم أو بسلاحهم، لأن هذا كان وهو مازال في المدينة، وقصة ابن أبي جاءت بعدما خرج إلى أحد، فإذا صح التعارض من كل وجه فيمكن أن يكون ما في قصة ابن أبي ناسخًا لاستعانته ببني النضير.

هذا وإنما ذكرت هذا الاحتمال -مع بُعْدِه- تتميمًا للتقسيم، وحصرًا للمخارج التي يمكن أن يزول بها الإشكال.

الإحتمال الثالث: أن تكون القصة بهذا التفصيل ضعيفة، وإن صح قوله صلى الله عليه وسلم «لا نستعين بالمشركين على المشركين» بالشواهد الأخرى، ولكن كما رأينا فقد حسنها أو صححها أئمة أجلة من أصحاب هذا الفن، ومع ذلك فأرى أن أمرها يحتاج إلى مزيد بحث في الأسانيد ونظر في حال الرواة، ولعل الله ييسر لها من أهل العلم المختصين من يمحصها تمحيصًا أكبر

وأقرب الاحتمالات -فيما أرى- وأيسرها تقبّلًا وأقواها لإزالة الإشكال هو الاحتمال الأول، لأن الخطب فيه يسير، وهو احتمال وقوع وهم من أحد الرواة، ومثل هذا ليس بمستنكرٍ ولا مستبعد [2] .

(1) - (آل عمران: 167) .

(2) - لا سيما وأن مدار القصة على راو واحد عند الجميع وهو: محمد بن عمرو بن علقمة بن وقاص الليثي، قال عنه الحافظ بن حجر: [صدوق له أوهام] (التقريب: 1/ 499) ، وقال ابن حبان [كان يخطئ] (الثقات: 7/ 377) ، وهو وإن روى له الستة إلا أن الحافظ قال: [روى له البخاري مقرونا بغيره، ومسلم في المتابعات] (تهذيب التهذيب: 9/ 333) .

فالشاهد أن جَعْلَ هذه الغزوة هي غزوة أحد قد يكون من أوهامه، والله تعالى أعلم.

وقد كنت أرسلت نسخة من هذا البحث إلى فضيلة الشيخ أبي الو ليد الأنصاري حفظه الله، فأرسل مشكورًا مأجورًا ملاحظات مطولة حول هذه الإشكالات، وخلاصتها تضعيف حديث أبي حميد الساعدي إلا قوله (لا نستعين بالمشركين على المشركين) لشواهده، وأجاب بعدة أجوبة عن الإشكال الحاصل بإيراد لفظة بني قينقاع في رواية القصة، وصفوتها عدم التسليم بأن بني قينقاع قد تم إجلاؤهم بعد غزوة بدر مباشرة فكان مما كتبه حفظه الله:[وعلى كل حال فالأمر طويل الذيول؛ ويحتمل الكثير من البسط والأخذ الرد؛ والذي يهمنا في هذا المقام هو إثبات أن بني قينقاع كانوا في المدينة وقت أحد؛ وأن ما ذكر من إجلائهم قبلها لم يثبت من طريق صالح للاعتماد عليه؛ وقد روي ذلك عن الزهري لكنه مرسل ومراسيله لا يعول عليها عند أهل العلم رحمهم الله، ولذا ضعف خبره هذا الشافعي كما حكاه عنه البيهقي في السنن.

وإذ الأمر كما بينت فلا وجه للحكم على محمد بن عمرو بالوهم في حديث أبي حميد، لا في ذكر يوم أحد ولا في ذكر بني قينقاع؛ بل كون رواته الثلاثة الذين رروه عنه من الثقات مع ما فصلناه فيما مضى قرينة على أنه ضبط ما رواه في هذا الخبر؛ والله أعلم].

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت