وصفوة القول فإن هذه الأحاديث الثلاثة وهي حديث عائشة وخبيب بن يساف وأبي حميد الساعدي رضي الله عنهم هي التي جاء فيها التصريح بعدم الاستعانة بالمشركين، ولا شك في ثبوت هذا عن النبي صلى الله عليه وسلم لا سيما وأن حديث عائشة رضي الله عنها في صحيح مسلم، فهي عمدة المانعين للاستعانة بالمشركين في القتال.
والذي يظهر فإن جميعها كان في غزوة بدر أي قبل أن يقول النبي صلى الله عليه وسلم لبني النضير «إما قاتلتم معنا وإما أعرتمونا سلاحا» ، فحديث عائشة صرحت فيه أن ذلك كان يوم بدر، وخبيب بن يساف أسلم يوم بدرٍ كما ذهب إلى ذلك جل العلماء وعدوه بدريًا، فقصة رده ثم إسلامه كان في هذا اليوم، وحديث أبي حميد الساعدي قد ذكرت وجه اعتباره في يوم بدرٍ دفعًا للإشكال القوي إن لم يوجه هذا التوجيه.
وعليه فحتى لو افترض التعارض بين هذه الأحاديث وحديث «إما قاتلتم معنا» تعارضًا تامًا من كل وجه بحيث يتعذر معه الجمع بينهما تعذرًا محققًا، فليس شيء من هذه الأحاديث الثلاثة يصلح ناسخًا لحكم جواز الاستعانة الذي دل عليه حديث الطحاوي، لفقدها أحد شروط القول بالنسخ، وهو تأخر الدليل الناسخ عن المنسوخ في التاريخ، والأحاديث الثلاثة الناهية عن الاستعانة بالمشركين جاءت سابقة لحديث ثابت بن الحارث الأنصاري بعامٍ كاملٍ فلا يعقل أن تكون ناسخة له.
بل مع هذا الافتراض لو قيل إن حكم المنع من الاستعانة هو المنسوخ لكان أولى، لأن حديث تجويزها -وهو في قصة بني النضير -جاء متأخرًا في الزمن عن أحاديث المنع الثلاثة، ولكن كما هو معلوم فإن القول بالنسخ الذي هو رفعٌ لحكم شرعي لا يُصار إليه إلا مع تحقق الشروط ومنها عدم إمكانية الجمع بين الأدلة مع بذل الجهد في ذلك، لأن في الجمع إعمالًا لجميع الأدلة وفي النسخ إبطال لبعضها، كما قال صاحب مراقي السعود:
والجمع واجب متى ما أمكنا ... إلا فللأخير نَسْخٌ بُيِّنا
فإذا تحقق هذا الأمر فليس هناك إلا محاولة التوفيق بين هذه الأحاديث التي ظاهرها التعارض للخروج بحكم شرعي صحيح يدل عليه مجموعها، ويكون لكل فردٍ من أفرادها نصيب في الدلالة عليه والله ولي التوفيق.
وتفصيل هذا الكلام وبيانه على النحو التالي:
إن الأمر المتيقن والمقطوع به هو ورود النهي عن الاستعانة بالمشركين على المشركين في القتال في وقتٍ ما، وهذا الحكم الشرعي ثبت بأدلة شرعية صحيحة صريحة لا مطعن في دلالتها، ولو لم يكن في ذلك إلا حديث عائشة الثابت في صحيح مسلم لكفى، فإذا انضم إليه حديثا خبيب بن يساف -على القول بأنه قصة مستقلة - وأبي حميد الساعدي بناء على صحته ازداد الحكم تقررًا وتأكدًا لاعتضاده بهما.