وبما أن هذه الأحاديث لها الأسبقية والتقدم عن سائر الأدلة التي استند إليها القائلون بالجواز، فينبغي أن تكون هي الأصل المستصحب والمستمسَك به في جميع الأحوال والأزمنة، لأن أصل الحكم الشرعي في هذه المسألة قد ثبت بها، وهي أيضًا ناقلة للحكم من الإباحة الأصلية إلى الحرمة والنهي، وعليه فالأصل أن يستمر هذا الحكم ثابتًا على حاله حتى يأتي من الأدلة الصحيحة ما يعارضه معارضة تامة أو جزئية، فيقال بنسخه في الأولى وباستثناء الصورة المعارِضة في الثانية، ويمكن زيادة إيضاح قوة دلالة أحاديث المنع في النقاط التالية:
أولًا: أن قول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث عائشة رضي الله عنها الذي في صحيح مسلم: [ارجع فلن أستعين بمشرك] وتكراره لهذا المنع كلما طلب منه ذلك المقاتل أن يتبعه ويشاركه في القتال يعد نصًا صريحًا عامًا في نفي الاستعانة بالمشركين، ومثله قوله صلى الله عليه وسلم للذين جاءا ليشهدا معه مشهد قومهما: [فإنا لا نستعين بالمشركين على المشركين] ، وكذلك حديث أبي حميد الساعدي والذي جاء فيه هذا اللفظ بعينه إلا أنه في قصة أخرى.
ثانيًا: وتعدد هذه الحوادث مع ثبوت الحكم نفسه فيها وبيانه من النبي صلى الله عليه وسلم مرارًا يدل على أنه حكم مقرر وليس حادثة عين عابرة تتعلق بظروف خاصة، وبهذا يندفع قول من قال إن رد النبي صلى الله عليه وسلم ربما كان لأجل طمعه في إسلام من رده لما تفرسه فيهم، فلو صح هذا وقُبل في حديث عائشة والذي بعده، فلا يمكن أن يكون هو السبب في رده لليهود الذين مع عبد الله بن أبي بن سلول حيث جاء في رواية الطبراني أن الصحابة قالوا: «هذا عبد الله بن أبي في ستمائة من مواليه من اليهود» ، فلا يتصور أن يكون رد النبي صلى الله عليه وسلم لكل هؤلاء طمعًا في إسلامهم في تلك اللحظة وهم كما جاء وصفهم في الحديث بأنهم [كتيبة خشناء] أي كثيرة السلاح، بل ولو كان الطمع في الإسلام هو أحد الأسباب فليس هو السبب الوحيد ولا الأول ولا عليه المعوَّل لأن صريح العبارة يرد ذلك، وعمومها يأبى قصرها على هذا المعنى، والتعليل الذي اقترن به الحكم ينفيه ويقصيه يبين ذلك الأمر اللاحق وهو:
ثالثًا: قد ثبت في الأصول أن اقتران الوصف بالحكم يدل على عليَّة ذلك الوصف، وهذا المسلك يسمى في علم الأصول بمسلك «الإيماء والتنبيه» ، وضابطه أن يقترن الوصف بحكم لو لم يكن ذلك الوصف علة له لكان معيبًا في الكلام الفصيح، وقد ذكره صاحب مراقي السعود في موضعين:
الأول: في مبحث دلالة الإشارة والاقتضاء والإيماء فقال:
دلالة الإيماء والتنبيه ... في الفن تُقصد لدى ذويه
أن يُقرن الوصف بحكم إن يكن ... لغير عِلة يَعِبْهُ من فطن
والثاني: في مسالك العلة فقال:
والثالث الإيما اقترانُ الوصف ... بالحكم ملفوظين دون خُلف
وذلك الوصف أو النظير ... قرانه لغيرها يضير