فالصفة المذكورة في الحديث هي «الشرك» والحكم المقترن بها هو عدم الاستعانة بالمشركين، فلو لم يكن لذكر صفة الشرك وربطها بالامتناع عن الاستعانة بالمشركين ثأثير في الحكم لكان بعيدًا عن سنن الفصحاء ولعُدَّ حشوًا وهو ما ينزه عنه مَن لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى.
فدل ذلك على أن المانع من الاستعانة بهم -حسب ألفاظ هذه الأحاديث- هو تلبسهم واتصافهم بهذه الصفة، لا سيما وأن هذا المعنى التعليلي يتأكد بسؤال النبي صلى الله عليه وسلم للذي قال له: «جِئْتُ لأَتَّبِعَكَ وَأُصِيبَ مَعَكَ.» : «تُؤْمِنُ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ؟» ، وقوله للآخريْن: أسلمتما؟، وفي الحديث الثالث: «أو أسلموا» ، فلو لم يكن لإسلامهم تأثير في حكم الاستعانة لكان السؤال عنه لغوًا، لأنه سؤال عمَّا لا فائدة فيه في ذلك الموطن، ولهذا فإن ترتب الحكم على وجود الإسلام من عدمه يعد ترتبًا مباشرًا وارتباطه به ارتباطًا وثيقًا بينًا، والنبي صلى الله عليه وسلم قد أوتي جوامع الكلم فهو أبلغ البلغاء وأفصح الفصحاء، وقوله أبعد ما يكون عن الحشو وأنزهه عن اللغو وأبعده عن العي الذي تختلط معه المعاني وتلتبس معه الأحكام، وهذا بيِّن كما ترى.
فترك التعليل الظاهر الموافق للقواعد الأصولية المنضبطة والانتقال إلى الاستنباطات المظنونة وربما الموهومة التي ليس لها ما يدل عليها دلالة خاصة أو يقويها على هذا الظاهر طريق غير مرضي.
رابعًا: أن الأصل حمل الألفاظ على عمومها وشمولها سواء في الأفراد أو الأحوال أو الأزمنة، كما قال صاحب المراقي:
ويلزم العموم في الزمان ... والحال للأفراد والمكان
ولا يستثنى من ذلك إلا ما أخرجه الدليل المخصِّص عند التعارض، لأن استثناء بعض أفراد أو أحوال أو أزمنة العام من غير حجة يعد ضربًا من التحكم المحض والذي لا يعجز عنه أحد، واستعمال هذا في الدين يؤدي إلى اضطراب لا نهاية له ويقود إلى تفلت لا انضباط معه.
إذا تقرر هذا فإن الألفاظ التي وردت في النهي عن الاستعانة بالمشركين في هذه القضية سواء بصيغة الإفراد كقوله صلى الله عليه وسلم [لن أستعين بمشرك] أو بصيغة الجمع كقوله عليه الصلاة السلام: [لا نستعين بالمشركين على المشركين] هي من قبيل الألفاظ العامة الشاملة لكل من اتصف بصفة الشرك على كل حال وفي كل وقت.
والعموم جاء في موطنين:
الأول: في حق «المشرك» الذي نهينا عن الاستعانة به، لأنه في الحديث الأول نكرة في سياق النفي، وفي الثاني جاء لفظ «المشركين» معرفًا بالألف واللام وهما من ألفاظ العموم كما هو معروف في الأصول، فتكون قضية التعميم هنا هي عدم الاستعانة بأي مشرك ومن أي نحلة سواء كان وثينًا أم يهوديًا أم نصرانيًا أم مجوسيًا أم غيرهم.