والثاني: عموم في الاستعانة نفسها، فالأحاديث تقرر المنع من أي نوع من أنواع استعانة المسلم بالمشرك، لأن كلا الفعلين في الأحاديث جاء في سياق النفي «لن أستعين» ، «لا نستعين» ، ومثل هذا له حكم النكرة في سياق النفي، لأن حقيقة النفي فيه مسلط على المصدر الذي هو أحد جزئي الفعل.
قال العلامة الشنقيطي -رحمه الله-:[والفعل في سياق النفي من صيغ العموم على التحقيق، كما تقرر في الأصول، ووجهه ظاهر؛ لأن الفعل الصناعي، أعني الذي يسمى في الاصطلاح فعل الأمر، أو الفعل الماضي، أو الفعل المضارع، ينحل عند النحويين، وبعض البلاغيين عن مصدر وزمن، كما أشار له في الخلاصة بقوله:
المصدر اسم ما سوى الزمان من ... مدلولي الفعل كأمْنٍ مِنْ أَمِن
وعند جماعة من البلاغيين ينحل عن مصدر وزمن ونسبة، وهذا هو الظاهر كما حرره بعض البلاغيين، في بحث الاستعارة التبعية.
فالمصدر إذن كامنٌ في مفهوم الفعل إجماعًا، فيتسلط النفي الداخل على الفعل على المصدر الكامن في مفهومه، وهو في المعنى نكرة، إذ ليس له سبب يجعله معرفة، فيؤول إلى معنى النكرة في سياق النفي، وهي من صيغ العموم.] [1]
قال ابن عاصم في مرتقى الأصول:
والنكرات في سياق نفيها ***تعم كالفعل الذي في طيها
هذه هي قضية العموم في هاتين العبارتين من حيث الأصل وما يستثنى منهما إنما يقوم بدليله المخصِّص سواء كان آية أو حديثًا أو إجماعًا أو قياسًا، وما لم يجء شيءٌ من ذلك فإن العام يبقى على عمومه، ولهذا فإن كثيرًا من العلماء استدلوا بهذه الأحاديث على منع الاستعانة بالكفار في أمور ليس لها تعلق بالقتال معتمدين في استدلالهم على العموم الذي قضت به دلالاتها.
وقد يعتضد هذا الأصل ويتقوى العموم الذي دلت عليه أحاديث المنع بالآيات الكثيرة التي تنهى عن اتخاذ الكافرين أولياء، وقد مر معنا قصة عمر مع أبي موسى الأشعري رضي الله عنهما وأن عمر احتج على أبي موسى في المنع من استكتاب النصراني -وهو نوع من الاستعانة بالكفار- بقول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [2] ، كما احتج جمعٌ من العلماء بمثل هذه الآيات على النهي عن الاستنصار بالكفار، وقد ذكرت بعض أقوالهم في أول البحث.
إذا تبين هذا وعلمنا أن أدلة النهي عن الاستعانة بالمشركين هي السابقة المقررة للحكم الأول في هذه المسألة، وأنها عامة في الأفراد والأحوال والأزمنة، وأن الأصل هو استصحاب هذا الحكم والأخذ به، وأن الأدلة التي
(1) - (أضواء البيان: 3/ 139) .
(2) - (المائدة: 51) .