يفهم منها جواز الاستعانة لا تعارض هذا الحكم معارضة تامة من كل وجه يتعذر معها الجمع فالذي يظهر لي رجحانه في هذه المسألة هو:
أن الأصل في حكم الاستعانة بالمشركين على المشركين في القتال هو المنعُ استمساكًا بالأدلة الصحيحة الصريحة القاضية بذلك، ويستثنى من النهي حالة الضرورة أو الحاجة الشديدة فيجوز معها الاستعانة بهم، مع التقيد بالشروط التي نصَّ عليها الفقهاء المجوِّزن للاستعانة والتي ذكرتها سابقًا.
وبهذه الكيفية ينفى التعارض التام بين أدلة النهي والجواز، فيوضع كل دليل موضعه بحيث يتم إعمال الجميع ولا يبطل أو يهمل شيء منها، وبمعنى أوضح فإن النهي العام الذي دلت عليه أحاديث المنع الثلاثة يعدُّ مخصَّصًا بأدلة مستقلة أخرجت من ذلك العموم بعض صور الاستعانة وحالاتها نبين ما تيسر منها في الفقرة التالية.
صور وحالات يجوز فيها الاستعانة بالكفار في الحرب.
الأولى: عند الضرورة أو الحاجة الشديدة، والذي يدل على جواز الاستعانة بالكفار في مثل هذه الحال هو الحديث الذي رواه الإمام الطحاوي وأطلت الكلام عليه، إذ تبين من خلال ما ذكرته سابقًا أن هذا كان في مبدأ قدوم النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة حينما كان الإسلام ضعيفا، ومشركو قريش لا يفتئون عن بذل أقصى ما يستطيعون لمحاربة المسلمين في المدينة، وكان ذلك بناء على بعض بنود المعاهدة التي عقدها النبي صلى الله عليه وسلم مع اليهود قبل نزول أحكام الجهاد النهائية بسنوات، وبعدما بلغه أن أبا سفيان قد جمع أمره وحشد جيشه لمداهمة المدينة، فكان وضع المسلمين حرجًا وأمرهم شديدًا وتسليحهم متواضعًا، فالذي يظهر أن مجموع هذه الأمور -والتي يمكن أن نصفها بالضرورة أو الحاجة الشديدة - هي التي ألجأت النبي صلى الله عليه وسلم إلى طلب المعونة من يهود بني النضير، وقد مرَّ معنا من قبل أن الإمامين الطحاوي وابن عبد البر قد حملا الحديث على حال الضرورة وهو محمل حسن.
وممن منع الاستعانة بالكفار في القتال إلا في حال الضرورة، الإمام أحمد ومن تبعه من أصحابه، والإمام ابن حزم، والإمام الشوكاني، والعلامة صديق حسن خان، وغيرهم وقد نقلت الأقوال في ذلك فلا نطيل بإعادتها.
اعتراض ودفعه
قد يعترض على حصر جواز الاستعانة بالكفار في الضرورة أو ما يقاربها باستعانته صلى الله عليه وسلم بخزاعة على قتال المشركين يوم فتح مكة، إذ ذكره بعض العلماء دليلا على الجواز كما قال الإمام الشوكاني: [وخرجت خزاعه مع النبي صلى الله عليه وسلم على قريش عام الفتح وهم مشركون] [1]
(1) - (الدراري المضية: 1/ 483) .