الصفحة 51 من 60

وأصل ذلك هو دخولهم في عقد رسول الله صلى الله عليه وسلم كما دخلت بنو بكر في حلف قريش في صلح الحديبية ففي حديث المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم أنهما قالا: [كان في صلح رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية بينه وبين قريش أنه من شاء يدخل في عقد محمد وعهده دخل، ومن شاء أن يدخل في عقد قريش وعهدهم دخل، فتواثبت خزاعة، فقالوا: نحن ندخل في عقد محمد صلى الله عليه وسلم وعهده، وتواثبت بنو بكر، فقالوا: نحن ندخل في عقد قريش وعهدهم] [1]

ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم بعدما استنصرته خزاعة لما غدرت بهم بنو بكر خرج بسبب ذلك لفتح مكة، فكانوا معه حينما دخلها، وأذن لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في القتال، فعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: [لما فتحت مكة على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «كفوا السلاح إلا خزاعة عن بني بكر، فأذن لهم حتى صلى العصر ثم قال كفوا السلاح» ] [2]

فيقال لا شك أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يوم الفتح محتاجًا إلى معونة أحد من المشركين لكثرة جيش المسلمين وانقماع كفار قريش وشدة رعبهم وفَرَقهم.

وعليه فالظاهر من الحديث السابق أن أمر النبي صلى الله عليه وسلم لجميع الناس بأن «يكفوا السلاح» ولا يأذن لأحد في القتال إلا لخزاعة في قتالهم بني بكر دون مَن سواهم من المشركين، كل هذا يدل دلالة واضحة وقوية على أن هذا ليس من باب الاستعانة في صدر ولا ورد، وإنما كان لمعنى آخر مستقل يتعلق بخزاعة تجاه بني بكر خصوصًا، وهو أخذ ثأرهم وشفاء صدورهم منهم؛ لأن بني بكر كانوا قد غدروا وقاتلوا خزاعة حتى ألجأوهم إلى الحرم، وإلا فلو كان الإذن لخزاعة من باب الاستعانة، فما وجه حصر قتالهم في بني بكر ساعة من نهار، ولِمَ يأذن لهم ويمنع المهاجرين والأنصار من ذلك.

وقد صرح شيخ الإسلام -رحمه الله- على أن أكثر خزاعة كانوا مسلمين عند عقد صلح الحديبية فقال: [أن النبي صلى الله عليه وسلم كان قد صالح قريشًا وهادنهم عام الحديبية عشر سنين، ودخلت خزاعة في عقده، وكان أكثرهم مسلمين، وكانوا عيبة نصح لرسول الله مسلمهم وكافرهم] [3]

فلا يبعد أن تكون القلة الباقية منهم قد دخلت في الإسلام في المدة التي بين صلح الحديبية إلى فتح مكة، ويتقوى هذا بأن عددًا من السلف وأكثر المفسرين قالوا إن المقصود بالمؤمنين في قوله تعالى: {قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ} [4] ، هم خزاعة وذلك بأن يشفي الله صدورهم ممن غدر بهم ونال منهم وهم بنو بكر ومَن أمدهم بالسلاح من كفار قريش.

(1) - رواه أحمد، والبيهقي في الدلائل، وفي السنن الكبرى، وغيرهم.

(2) - رواه أحمد، وابن أبي شيبة، وأبو عبيد، وابن حبان عن ابن عمر، ومحمد بن إسحاق الفاكهي.

(3) - (الصارم المسلول: 2/ 217) .

(4) - (التوبة: 14) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت