الصفحة 52 من 60

وهو قول مجاهد، والسدي، وعكرمة.

قال الإمام ابن جرير - رحمه الله: [ «ويذهب غيظ قلوبهم» يقول الله تعالى ذكره ويذهب وجد قلوب هؤلاء القوم المؤمنين من خزاعة على هؤلاء القوم الذين نكثوا أيمانهم من المشركين وغمها وكربها بما فيها من الوجد عليهم بمعونتهم بكرا] [1] ، فهذه الآية تدل على أن هذه الطائفة المقاتِلة من خزاعة كانوا مؤمنين، فهم الذين يشفي صدورهم ويذهب غيظ قلوبهم بأخذهم الثأر ممن نقضوا العهد وتسلطوا عليهم بالقتل وهو معنى متوافق مع إذن النبي صلى الله عليه وسلم لخزاعة بقتال بني بكر إلى العصر ليحصل هذا المعنى الذي نص عليه القرآن.

قال الإمام ابن القيم -رحمه الله-: [أن النبي صلى الله عليه وسلم لما فتحت مكة وأراد أن يشفي صدور خزاعة - وهم القوم المؤمنون - من بني بكر الذين قاتلوهم مكنهم منهم نصف النهار أو أكثر، مع أمانه لسائر الناس، فلو كان شفاء صدورهم وذهاب غيظ قلوبهم يحصل بدون القتل للذين نكثوا أو طعنوا لما فعل ذلك مع أمانه الناس] [2]

ولهذا لما جاء عمرو بن سالم الخزاعي مستنصرًا بالنبي صلى الله عليه وسلم بعد غدر بني بكر وقريش أنشده شعرًا فمما قاله وهو وجه الشاهد:

[هم بيتونا بالوتير هجدًا ... فقتلونا ركعًا وسجدا]

فهو يدل أيضا على أن كل أو أكثر خزاعة كانوا مسلمين، وقد صرح الإمام الشافعي -رحمه الله - على أن خزاعة دخلوا في الإسلام قبل فتح مكة فقال في مناظرة له: [فإن قال قائل: ما دل على ذلك؟ قيل له: أسلم أبو سفيان بن حرب بمر الظهران وهي دار خزاعة وخزاعة مسلمون قبل الفتح في دار الإسلام] [3]

فالأمر دائر بين أن تكون خزاعة كلها أسلمت قبل أو يوم الفتح، أو أن يكون أكثرها كذلك، فإن كان الأول بطل استدلال من استدل بقتالهم على جواز الاستعانة، وإن كان الثاني فعلى المدعي أثبات أن المقاتلين كانوا من مشركي خزاعة ولا سبيل إلى ذلك، والدليل متى تطرق إليه الاحتمال سقط به الاستدلال، هذا مع أن القرائن الظاهرة تدل على أن تخصيص النبي صلى الله عليه وسلم خزاعةَ بإطلاق يدهم في قتال بني بكر إنما كان لمعنى يتعلق بهم دون غيرهم وقد ذكرنا ذلك من قبل.

الثانية: أما الصورة الثانية التي يجوز فيها الاستعانة بالكفار، فهي استعارة السلاح وغيره من المعدات منهم عند الحاجة إلى ذلك، وجواز شرائها، ويدل على ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم لبني النضير «إما قاتلتم معنا وإما أعرتمونا سلاحا» ، وكذلك استعارته صلى الله عليه وسلم أدرعًا من صفوان بن أمية يوم حنين، وقد مر ذكر هذه الأحاديث.

(1) - (تفسير الطبري: 10/ 91) .

(2) - (أحكام أهل الذمة: 3/ 1390) .

(3) - (الأم: 5/ 152) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت