قال الإمام القرطبي -رحمه الله- عن حديث صفوان: [وفيه أيضا جواز استعارة السلاح، وجواز الاستمتاع بما استعير إذا كان على المعهود مما يستعار له مثله، وجواز استلاف الامام المال عند الحاجة إلى ذلك ورده إلى صاحبه، وحديث صفوان أصل في هذا الباب.] [1]
قال الإمام ابن القيم في الفوائد المأخوذة من حنين: [ومنها: أن الإمام له أن يستعير سلاح المشركين وعدتهم لقتال عدوه، كما استعار رسول الله صلى الله عليه وسلم أدراع صفوان وهو يومئذ مشرك] [2]
ومع ذلك فالواجب على المسلمين أن يعتمدوا على أنفسهم، وأن يسدوا حاجاتهم بأيديهم، وأن يزهدوا فيما عند أعدائهم ما استطاعوا إلى ذلك سبيلًا، فليست صورة الاستعانة المقصودة هنا هو اعتماد الجماعات الإسلامية اعتمادًا تامًا على الدول الكافرة بحيث تعطل جهادها وتوقف قتالها إن لم يكن لها دعمٌ ومساندةٌ منها، فحالات الاستعانة الجائزة ليست هي الأصل التي تنبني عليه سياسات الجماعات وطرق قتالها وأساليب جهادها، وإنما هي صور جزئية محصورة تقع بين الحين والحين، استجابة لظرف من الظروف العابرة، ولهذا فإن استعانة النبي صلى الله عليه وسلم بأسلحة الكفار واستعارته لها طوال حياته وجهاده كانت معدودة محدودة، مع أنهم كانوا يخوضون أشد المعارك مع أشرس الأعداء وعلى عدة جبهات، فكان رزقهم تحت ظلال سيوفهم، فاستغنوا بالله فأغناهم الله.
الثالثة: جواز اتخاذ العيون والجواسيس من الكفار على الكفار والاستعانة بما يأتون به من الأخبار في تدبير المعارك ورسم خطط الحرب، والتحذير من بعض الأخطار، ولكن بشرط الوثوق التام والاطمئنان المتناهي إلى صدق قولهم وثبوت نصحهم، وإلا فإن التساهل في هذا الأمر مزلق عظيم وليل بهيم قد تنقلب آثاره ونتائجه إلى ضد ما يرجو المستعين بهم، لا سيما في زماننا الذي أتقن فيه الكفرة طرق تجنيد الجواسيس، وليس لهم في ذلك وازع من خلق ولا مروءة.
فقد جاءت الأحاديث الصحيحة -في البخاري وغيره- في صفة خزاعة بأنهم «كانوا عَيْبَةَ نصح لرسول الله صلى الله عليه وسلم» ، قال الإمام ابن حجر -رحمه الله: [العيبة بفتح المهملة وسكون التحتانية بعدها موحدة ما توضع فيه الثياب لحفظها، أي أنهم موضع النصح له، والأمانة على سره، ونصح بضم النون وحكى بن التين فتحها كأنه شبه الصدر الذي هو مستودع السر بالعيبة التي هي مستودع الثياب ... زاد ابن إسحاق في روايته، وكانت خزاعة عيبة رسول الله صلى الله عليه وسلم مسلمها ومشركها لا يخفون عليه شيئا كان بمكة] [3]
وقد استدل بعض العلماء على جواز الاستعانة بالكافر في تجسسه على الكفار بما عند البخاري وغيره في حديث المسور بن مخرمة ومروان: [فبينما هم كذلك إذ جاء بديل بن ورقاء الخزاعي في نفر من قومه من
(1) - (تفسير القرطبي: 8/ 99) .
(2) - (زاد المعاد: 3/ 479) .
(3) - (فتح الباري: 5/ 337) .