فهرس الكتاب

الصفحة 241 من 7068

ويروى أنها لما أقدمت على الهجرة مع زوجها عبد اللَّه بن عامر ابن ربيعة، وتوجها معًا صوب الجنوب نحو الحبشة، قابلهما عمر بن الخطاب -وذلك قبل أن يُسلم- فقال لهما: إنه الانطلاق يا أم عبداللَّه، فقالت له بلا خوف ولا تردد: نعم واللَّه لنخرجنّ في أرض اللَّه، آذيتمونا وقهرتمونا؛ حتى يجعل الله لنا مخرجًا. فقال عمر: صحبكم اللَّه، ثم انصرف، فقالت لزوجها: يا أبا عبد الله، لو رأيت عمر آنفًا ورِقَّته وحزنه علينا! قال: أطمعتِ في إسلامه؟ قالت: نعم، قال: فلا يُسلم الذي رأيت حتى يُسلم حِمَارُ الخطاب [ابن حجر في الإصابة] ! قال أبو عبد الله ذلك؛ لما كان يرى في عمر وغيره من المشركين من الغلظة تجاه المسلمين الجدد، لكن الله -سبحانه وتعالى- يهدى من يشاء من عباده إلى الإسلام ونوره. وينتزعهم من شِراك الظلمة والكفر، وأسلم عمر بن الخطاب وأصبح يغار على الإسلام والمسلمين وكرَّس حياته في خدمة هذا الدين. و ذات مرة سمعها رسول الله صلى الله عليه وسلم تنادى ابنها عبد اللَّه بن عامر وهو طفل فقالت: هاكَ، تعالَ أعطيك. فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم"وما أردت أن تعطيه؟". قالت: أُعطيه تمرًا. فقال النبي صلى الله عليه وسلم"أما إنك لو لم تعطيه شيئًا كتبت عليك كذبة" [أبو داود وأحمد] .

وهكذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلِّم أصحابه، ولاسيما أمام الأطفال؛ لكى تنشأ عندهم الأخلاق الإسلامية السامية، فأعطى للمرأة درسًا في معاملة أولادها بالصدق، وهكذا كانت نموذجًا للمسلمة الصادقة مع أولادها.

إنها ليلى بنت أبى حثْمَة بن حذيفة بن غانم بن عامر بن عبد اللَّه سيدة من نساء الإسلام الخالدات اللاتى تحملن من أجله كل مكروه كى ترتفع رايته، ويسعد بظله كل إنسان على ظهر الأرض لما فيه من نجاة وسعادة، فقد هاجرت ليلى مع زوجها تاركةً دارها ومالها وبلدها، وفضلت ما عند اللَّه على ما عند البشر

الشهيدة الحية (أم ورقة)

قالت للنبى صلى الله عليه وسلم عند الخروج إلى بدر: يا رسول اللَّه ائذن لى في الغزو معك، أُمَرِّضُ مرضاكم؛ لعل اللَّه أن يرزقنى شهادة. فقال لها صلى الله عليه وسلم:"قرى في بيتك، فإن الله تعالى يرزقك الشهادة" [أبو داود] .

وتلك نبوءة نبَّأ بها رسول الله صلى الله عليه وسلم العليمُ الخبير، فعُرفت بعد ذلك رضى اللَّه عنها بالشهيدة.

أسلمت وحسن إسلامها، وكانت تحافظ على الصلاة، ودروس العلم، وحفظ القرآن الكريم، وتحرص على جمع آياته، وكان صلى الله عليه وسلم يقصدها في زياراته لبيوت الأنصار، ويطمئن على صحتها وحالها. ورغم ما يُروى عن ثراء بيتها إلا أنها كانت تفيض حبَّا للناس وتواضعًا.

وما إن أمرها النبي صلى الله عليه وسلم بأن تظل في بيتها -حين سألته الخروج للجهاد- حتى بادرت بالطاعة وحسن الاستماع لكلامه.

وقد اشتهرت أم ورقة بالعبادة والزهد وتلاوة القرآن، وكانت قد استأذنت النبي صلى الله عليه وسلم أن تتخذ في دارها مؤذنًا، فأذن لها، وأمرها أن تؤم أهل دارها وتصلى بهم، فكانت تؤمّ المؤمنات المهاجرات [أبو داود] ،وكان صلى الله عليه وسلم حين

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت