فهرس الكتاب

الصفحة 243 من 7068

فلما قُتل الزبير قالت فيه شعرًًا ترثيه، فلما انقضت عِدَّتها تزوجها الحسين بن على بن أبى طالب -رضى اللَّّه عنهما-، فاستشهد -أيضًا- فكانت أول من رفع خده عن التراب، وقالت ترثيه:

وحُسَيْنًا فلا نَسِيتُ حُسَيْنًا أقصدتْهُ أسِنَّةُ الأعْدَاء

غَادَرُوهُ بِكَرْبِلاءَ صَرِيعًا جَادَتِ الْمُزْنُ فِى ذُرَى كَرْبِلاء

ثم تأيَّمتْ، ويقال: إن مروان خطبها بعد الحسين -عليه السلام- فامتنعت عليه، وقالت: ما كنت لأتَّخذ حِمى بعد ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتوفيت -رحمها اللَّه- سنة أربعين من الهجرة.

الكريمة بنت الكريم صلى الله عليه وسلم: سفانة بنت حاتم الطائي)

كان أبوها مضرب الأمثال في الكرم في الجاهلية، فلما ظهر الإسلام وانتشرت الفتوح، غزت خيلُ رسول الله صلى الله عليه وسلم قبيلتها"طَيِّئ"، وأخذوها بين مَنْ أخذوا من السبايا. وكانت امرأة بليغة عاقلة، مرّ عليها النبي صلى الله عليه وسلم فقالت له: يا رسول اللَّه! امْنُنْ عَلَي، مَنَّ اللَّه عليك، فقد هلك الوالد، وغاب الوافد (تَنَصَّرَ أخوها وفرّ حتى كان قريبًا من أرض الروم، وكان ذلك قبل أن يُسلم ويَحْسُنَ إسلامه) ولاتُشَمِّتْ بى أحياء العرب، فإنى بنتُ سيد قومي، كان أبى يفك الأسير ويحمى الضعيف، ويَقْرِى (يكرم) الضيف، ويشبع الجائع، ويفرّج عن المكروب، ويطعم الطعام، ويفشى السلام، ولم يرد طالب حاجة قط، أنا بنت حاتم الطائي.

فقال لها رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم:"يا جارية، هذه صفة المؤمن، لو كان أبوك مسلمًا لترحمنا عليه". ثم قال لأصحابه:"خلوا عنها، فإن أباها كان يحب مكارم الأخلاق". ثم قال لها:"فلا تعجلى حتى تجدى ثقة يبلغك بلادك، ثم آذنيني" [ابن هشام] .

فلما قدم ركب من أهلها، أرادت الخروج معهم، وذهبت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم تستأذنه، فأذن لها وكساها من أحسن ما عنده من الثياب، وجعل لها ما تركبه، وأعطاها نفقة تكفيها مؤنة السفر وزيادة.

ثم قدمت على أخيها -عدى بن حاتم- وكان أكبر منها سنّا، وأرادت أن تدعوه إلى الإسلام، وتدله على الخير، بعدما رأت من النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه مارأت، وعلمت عن الإسلام وفضائله ما علمت، فسألها أخوها: ما ترين في هذا الرجل؟ فانتهزتها فرصة، وهى الفصيحة العاقلة، تقدم الدين الجديد لأخيها وتدعوه، وتعرّفه ب رسول الله صلى الله عليه وسلم في أسلوب حكيم، وعرض مؤثِّر، وسبيل مقنع، قالت: أرى أن تلحق به، فإن يكن الرجل نبيّا فاتبعْه؛ فللسابق إليه فضله، وإن يكن غير ذلك لم يُخَفْ عليك، وأنت من أنت عقلا وبصيرة، وإنى قد أسلمتُ. فقال عدي: والله إن هذا هو الرأى السليم. وخرج حتى قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة، فدخل عليه وهو في مسجده، فأسلم وحمد اللَّه. ونالت أخته بذلك ثواب هدايته إلى دين الحق.

إنها الصحابية الجليلة سفانة بنت حاتم الطائى وأبوها أشهر كرماء العرب الجاهليين، حتى ضرب به المثل في الكرم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت