فهرس الكتاب

الصفحة 244 من 7068

اشتهرت سفانة بالكرم والسخاء مثل أبيها حاتم الطائي، فقد كان أبوها يُعطيها من إبله ما بين العشرة إلى الأربعين، فتهبها وتُعطيها الناس، فقال لها حاتم: يابنية! إنَّ القرينين إذا اجتمعا في المال أتلفاه، فإما أن أعطى وتمسكي، وإما أن أُمسك وتعطي، فإنه لا يَبْقَى على هذا شيءٌ. فقالت: والله لا أُمسك أبدًا. وقال أبوها: وأنا والله لا أمسك أبدًا. قالت: فلا نتجاور. فقاسمها ماله وتباينا.

فعاشت -رضى الله عنها- مثالا للكرم، ورجاحة العقل، وحسن الخلق

الشاعرة أم الشهداء (الخنساء)

أجمع أهل العلم بالشعر أنه لم تكن امرأة قبلها ولا بعدها أعلم بالشعر منها، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يستنشدها، ويعجبه شِعرها. وكان أكثر شعرها وأجوده رثاؤها لأخويها: صخر، ومعاوية، وكانا قد قتلا في الجاهلية.

عاشت أكثر عمرها في العهد الجاهلي، وأدركت الإسلام، فأسلمت، ووفدت على رسول الله صلى الله عليه وسلم مع قومها بنى سليم.

اشتهرت بإيمانها العظيم باللَّه ورسوله، وجهادها في سبيل نصرة الحق؛ فقد شهدت معركة القادسية سنة ست عشرة للهجرة ومعها أولادها الأربعة. قالت لهم في أوَّل الليل: يا بَنى إنكم أسلمتم طائعين وهاجرتم مختارين، واللَّه الذي لا إله إلا هو إنكم لبنو رجل واحد، كما إنكم بنو امرأة واحدة، ما خنت أباكم، ولا فضحت خالكم، ولا هَجَّنت حَسبكم، ولا غَيَّرت نسبكم. وقد تعلمون ما أعد اللَّه للمسلمين من الثواب الجزيل، واعلموا أن الدار الباقية خير من الدار الفانية؛ يقول اللَّه -عز وجل-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) [آل عمران: 200] . فإذا أصبحتم غدًا إن شاء اللَّه سالمين فاغدوا إلى قتال عدوكم مستبصرين، وباللَّه على أعدائه مستنصرين، وإذا رأيتم الحرب قد شَمَّرت عن ساقها، واضطرمت لظى على سياقها، وجُلِّلَتْ نارًا على أرواقها، فتَيمَّموا وطيسها، وجَالدوا رئيسها عند احتدام خميسها (جيشها) ، تظفروا بالغنم والكرامة في دار الخلد والمقامة.

فخرج بنوها قابلين لنصحها، وتقدموا فقاتلوا وهم يرتجزون، وأبلوا بلاءً حسنًا، واستشهدوا جميعًا. فلما بلغها خبرهم، قالت: الحمد للَّه الذي شرَّفنى بقتلهم في سبيله، وأرجو من ربى أن يجمعنى بهم في مستقر رحمته.

فكان عمر بن الخطاب -رضى اللَّه عنه- يعطى لها أرزاق أولادها الأربعة، لكل واحد مائتا درهم، حتى قبض.

إنها الخنساء المؤمنة القوية التي حوَّل الإسلام حياتها، وصنع الإيمان منها نموذجًا جديرًا بأن يحتذي، فهاهى ذى في الجاهلية قالت حين قُتل أخوها صخر:

ألا يا صخرُ لا أنساك حتى أفارقَ مهجتى ويشقّ رَمْسي

يذكرنى طلوعُ الشمسِ صَخرًا وأبكيه لكلِ غروبِ شمسِ

ولولا كثرةُ الباكينِ حولى على إخوانهم لقتلتُ نفسي

وفى الإسلام، تضحى بفلذات كبدها في سبيل اللَّه. ولا عجب في الأمر، فهذا هو حال الإسلام دائمًا مع معتنقيه ومحبيه، يحيل حياتهم إلى فضائل، ويغرس فيهم الصبر والإيمان، ويعينهم على التسامى على الشدائد والمحن.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت