فهرس الكتاب

الصفحة 245 من 7068

وذات مرة دخلت الخنساء على أم المؤمنين عائشة -رضى الله عنه- وعليها صِدار (ثوب يغطى به الصدر) من شَعر.

فقالت لها: يا خنساء! هذا نهى رسول اللَّه عنه.

فقالت: ما علمت، ولكن هذا له قصة؛ زوجنى أبى رجلا مُبَذِّرًا، فأذهب ماله، فأتيت إلى صخر، فقسم ماله شطرين، فأعطانى شطرًا خيارًا، ثم فعل زوجى ذلك مرة أخري، فقسم أخى ماله شطرين، فأعطانى خيرهما، فقالت له امرأته: أما ترضى أن تعطيها النصف حتى تعطيها الخيار؟ فقال: واللَّه لا أمنحها شرارها هي التي أرحضُ عنِّى عارها

ولو هلكتُ خرقت خمارها واتخذت من شَعرٍ صدارها

اسمها تماضر بنت عمرو بن الشريد بن الحارث السُّلمية، ولُقبت بالخنساء لِقِنوٍ (لارتفاع وسط قصبة الأنف وضيق المنخر) فى أنفها. وكانت -رضى اللَّه عنها- مثالا للمرأة المسلمة الفصيحة، والمؤمنة المحتسبة الصابرة، والمربية الفاضلة.

امرأة في الظل (هند بنت عتبة)

قالت وهى تذكر أيامها الماضية:"لقد كنت أرى في النوم أنى في الشمس أبدًا قائمة، والظل منى قريب لا أقدر عليه، فلما أسلمتُ رأيت كأنى دخلت الظل، فالحمد للَّه الذي هدانا للإسلام". بهذه الكلمات الطيبة أرَّخت هند بنت عتبة لحياتها.

لقد أسلمت يوم فتح مكة بعد أن أسلم زوجها أبو سفيان، ويروى ابنها معاوية - رضى اللَّه عنهم- قصة إسلامها، فيقول: سمعتُ أمى هند بنت عتبة، وهى تذْكُرُ رسول الله صلى الله عليه وسلم وتقول: فعلتُ يوم أُحُد ما فعلتُ من المُثْلَة بعمِّه وأصحابه (أى تقطيع جثثهم بعد موتهم) . كلما سارت قريش مسيرًا فأنا معها بنفسي، حتى رأيت في النوم ثلاث ليال كأنى في ظلمة لا أُبصر سهلا ولا جبلا، وأرى تلك الظلمة قد انفرجت عنى بضوء مكانه، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعوني.

ثم رأيت في الليلة الثانية كأنى على طريق، فإذا بهُبل (أعظم أصنام قريش) عن يمينى يدعوني، وإذا إساف (أحد أصنام قريش، كانت تنحر عنده الذبائح) يدعونى عن يساري، وإذا ب رسول الله صلى الله عليه وسلم بين يدي، يقول:"تعالَي، هلمى إلى الطريق".

ثم رأيت في الليلة الثالثة كأنى واقفة على شفير جهنم، يريدون أن يدفعونى فيها، وإذا أنا بِهُبل يقول: ادخلى فيها. فالتفتُّ، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم من ورائي، آخذ بثيابي، فتباعدتُ عن شفير جهنم، وفزعت فقلتُ: هذا شيء قد بُيِّن لي، فعدوتُ إلى صنم في بيتنا، فجعلت أضربه وأقول: طالما كنت منك في غرور! وأتيتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأسلمتُ وبايعته.

وقبل أن تذهب هند لتبايع النبي صلى الله عليه وسلم أتت زوجها أبا سفيان، وقالت له: إنما أريد أن أتبع محمدًا. فقال: قد رأيتك تكرهين هذا الحديث أمس. قالت: إنى واللَّه ما رأيت أن عُبِدَ اللَّه حق عبادته في هذا المسجد قبل الليلة، واللَّه إن باتوا إلا مصلين قيامًا وركوعًا وسجودًا. قال: فإنك قد فعلت ما فعلتِ، فاذهبى مع رجل من قومك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت