فهرس الكتاب
ذهب الحنابلة، في أشهر روايتين عندهم، أن ما يمكن نزحه إذا بلغ قلتين فلا يتنجس بشيء من النجاسات، إلا ببول الآدميين أو عَذرتهم المائعة.
وكذلك إذا ما سقط فيه شيء نجس، وفي مقابل المشهور في مذهب أحمد أن الماء لا ينجس إلا بالتغير قليلة وكثيرة.
وقد فصل الحنفية هذا بما لم يفصله غيرهم، ونصوا على أن الماء لا ينجس بخرء الحمام والعصفور، ولو كان كثيرًا، لأنه طاهر استحسانًا، بدلالة الإجماع، فإن الصدر الأول ومن بعدهم أجمعوا على جواز اقتناء الحمام في المساجد، حتى المسجد الحرام، مع ورود الأمر بتطهيرها. وفي ذلك دلالة ظاهرة على عدم نجاسته. وخرء العصفور كخرء الحمامة، فما يدل على طهارة هذا يدل على طهارة ذاك. وكذلك خرء جميع ما يؤكل لحمه من الطيور على الأرجح.
أثر وقوع حيوان في البئر
الأصل أن الماء الكثير لا ينجس إلا بتغير أحد أوصافه.
واتفق فقهاء المذاهب الأربعة على أن ما ليس له نفس سائلة، إذا ما وقع في ماء البئر، لا يؤثر في طهارته، وكذا ما كان مأكول اللحم، إذا لم يكن يعلم أن على بدنه أو مخرجه نجاسة، وخرج حيًا، ما دام لم يتسبب في تغير أحد أوصاف الماء، عدا ما كان نجس العين كالخنزير.
ويرى الحنابلة وبعض الحنفية أن المعتبر السؤر، فإن كان لم يصل فمه إلى الماء لا ينزح منه شيء، وإن وصل وكان سؤره طاهرًا فإنه طاهر.
ويختلف الفقهاء فيما وراء ذلك.
فغير الحنفية من فقهاء المذاهب الأربعة يتجهون إلى عدم التوسع في الحكم بالتنجس بوقوع الحيوان ذي النفس السائلة (الدم السائل) عمومًا وإن وجد اختلاف بينهم.
فالمالكية ينصون على أن الماء الراكد، أو الذي له مادة، أو كان الماء جاريًا، إذا مات فيه حيوان برّي ذو نفس سائلة، أو حيوان بحري، لا ينجس، وإن كان يندب نزح قدر معين، لاحتمال نزول فضلات من الميت، ولأنه تعافه النفس. وإذا وقع شيء من ذلك، وأخرج حيًا، أو وقع بعد أن مات بالخارج، فإن الماء لا ينجس ولا ينزح منه شيء، لأن سقوط النجاسة بالماء لا يطلب بسببه النزح.
وإنما يوجب الخلاف فيه إذا كان يسيرًا. وموت الدابة بخلاف ذلك فيها. ولأن سقوط الدابة بعد موتها في الماء هو بمنزلة سقوط سائر النجاسات من بول وغائط، وذاتها صارت نجسة بالموت. فلو طلب النزح في سقوطها ميتة لطلب في سائر النجاسات، ولا قائل بذلك في المذهب.
وقيل: يستحب النزح بحسب كبر الدابة وصغرها، وكثرة ماء البئر وقلته.
وقال الشافعية: إذا كان ماء البئر كثيرًا طاهرًا، وتفتَّتَتْ فيه نجاسة، كفأرة تمعَّط شعرها بحيث لا يخلو دلوٌ من شعرة، فهو طهور كما كان إن لم يتغير. وعلى القول بأن الشعر نجس ينزح الماء كله ليذهب الشعر، مع ملاحظة أن اليسير عرفا من الشعر معفو عنه ما عدا شعر الكلب والخنزير.
ويفهم من هذا أن ماء البئر إذا كان قليلًا فإنه يتنجس ولو لم يتغير.