فهرس الكتاب

الصفحة 4401 من 7068

فإذا ما بلغ هذا الولد، وأمكنه الاعتماد على نفسه في تحقيق وسيلة عيشه، وجب في أصول الأحكام الإسلامية عزله عن الأسرة التي تربى هذا الصغير في كنفها، ولايهمل بحال من الأحول، ويكون الإنفاق عليه والتطوع في تربيته عملًا إنسانيًا كريمًا، يستحق التقدير والشكر عليه من الله تعالى ومن الناس، ويمكن رفده بمال عن طريق الوصية، دون إخلال بنظام الميراث، وإثارة أحقاد وكراهية بقية الورثة.

وفي حال جهالة الأب يمكن تسجيله في سجلات دوائر النفوس المدنية باسم مستعار، ولقب أسرة مستعارة، مثل عبد الله الصالح أو النجار أو الصباغ ونحو ذلك، حتى لاتتعقد نفسيته، ويضمر السوء والحقد على مجتمعه، أو يتحول إلى جان أو مجرم أو سفاح، وهذه نظرة رحيمة متعينة، تقتضيها ظروف الأخوة الإنسانية.

صحيح أن الولد المتبنى من الأفضل له أن يكون في مظلة أسرة، من أن يكون في ملجأ أو دار مخصصة لأمثاله، ولكنا نقول: إن جعله في مظلة أسرة لايتعين أن يكون ذلك تحت نظام التبني، وإنما يمكن تحقيق الغاية من طريق التربية كما ذكرت والتآخي والتكافل والتعاون والحفاظ عليه من الضياع والتشرد إلى البلوغ، فهو أخ لا ابن، كما أن هذا النظام يحفظ للولد كرامة الإنسان وحقه في المساواة مع غيره، وإن وجدت ظاهرة الحماية له، فالظاهر يصادم الحقيقة والواقع.

ثم إن نقل الولد إلى مجتمع آخر أو دولة أخرى أو أسرة لاتتفق مع عقيدة الولد ودينه، يقطع عليه أصول تكوينه وبيئته، ولاينسجم نفسيًا واجتماعيًا في عيشه في بيئة غريبة عنه وعن جذوره وأسرته.

وكذلك في القوانين الوضعية ينبغي منع التبني، عملًا بأصولها وقواعدها، التي تجرِّم الكذب والسرقة والتزوير، والتبني كذب وسرقة وتزوير للحقيقة.

وفي الجملة: ليس التبني هو الوسيلة الوحيدة لحل مشكلة الطفل المنبوذ ونحوه، وإنما تحل مشكلته من طريق الكفالة والحضانة والتربية، ويعد الرضاع من أخت أو خالة للمرأة مثلًا حلًا لبعض مشكلات هذا الطفل، وإذا كنا صادقين فعلينا مساعدة الأسرة ماديًا ومعنويًا لتقوم بحق رعاية الطفل وحضانته، دون إلجاء إلى التبني الذي هو محض الجور وبتر لنسب الولد من أبيه المعروف، فإن لم يعرف فهو أخ كريم.

(1) رواه البخاري في الأدب المفرد والحاكم والبيهقي عن أبي هريرة رضي الله عنه.

(1) أدعياءكم: جمع دعي: وهو من يدعي لغير أبيه على أنه ابنه، وهو في الواقع ابن غيره.

(2) مواليكم: أي مناصروكم وأبناء عمومتكم.

(3) جناح: أي إثم أو ذنب.

(4) رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه وابن حبان والحاكم في صحيحهما عن أبي هريرة.

(5) رواه أحمد والبخاري ومسلم وأبو داود وابن ماجه عن سعد بن أبي وقاص وأبي بكرة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت