وأما قول القائل: اسلك هذا الطريق وأنا ضامن كما هو الحال عند الأحناف فهذا من عقود التبرع، ثم إن من شروطه عدم معرفة الطريق من الموعود، ومعرفة الطريق من الواعد، فلو كان جاهلًا فعليه التأكد ثم إن الشركة لا تدله على طريق معين فلا يصح هذا القياس عليه.
أما الأنظمة: فقد أوجب الإسلام نظام العاقلة وهم الرجال العصبة المناصرون، كما أوجب نظام النفقات والغرم بالنغم، والقياس مع الفارق لأن هذا النظام أوجبه الإسلام والتأمين أحدثه الناس، وأين علاقة النسب فيه وفي العاقلة فائدة لأولياء الدم وعون للقاتل المخطئ وهذه المعاني غير موجودة في التأمين. فالتشبث بنظام العاقلة المشروع وبالتالي جواز الاتفاق لا يغير حقائق الأشياء فهو قياس مع الفارق.
ووجه هذا الفارق: أن نظام العاقلة مبني على النسب وصلة الرحم المأمور بوصلها ومن مظاهر هذا الوصل التعاون بين المنتسبين والمرتبطين بها، والقاتل الخاطأ يستحق المعونة؛ لأنه ليس عنده نية إجرامية وإنما لصدور خطأ منه وحق المخطئ أن يعان وأحق الناس بمساعدته عاقلته؛ التي يتناصر أفرادها فيما بينهم ولم يبن على الربح أصلًا وإنما هو مبني على تنفيذ حكم شرعي قائم على صلة الرحم ومعاونة المخطئ والتعاون على البر.
ولا شيء من هذه المعاني في عقود التأمين فلا علاقة نسبية ولا تناصر حيث أن الشركة لا تعرف المستأمن ولا يهمها أخطأ أم لم يخطئ فلا يصح هذا القياس.
وأما احتجاجهم بعقد الموالاة (ترثني إذا مت وتعقل عني إذا جنيت) فهو حكم استثنائي، والاستثناء لا يقاس عليه، وهذا النظام يجعل المولى كأنه عضو في أسرة المولى الأعلى لذلك ينسب إلى عشيرته وليست هذه المعاني موجودة في نظام عقد التأمين.
وأما احتجاجهم بالتقاعد: فإن التقاعد مكافأة وجزاء من الدولة لموظفيها الذين خدموها فإذا وصلوا إلى سن الشيخوخة فمن حقهم على الدولة أن ترعاهم فجاز نظام التقاعد، وما تقتطعه منهم فهو جزء يسير وليس فيه معنى الربح هذا ما قاله المحرمون.
والذي يبدو لي أن هذا الرد ضعيف وإنما يمكن أن نرد على المجيزين بأن عقدهم لا ينبغي أن يقاس على نظام التقاعد لأن ما تقتطعه الدولة لا تجعله بمثابة القسط والباقي من راتب الموظف هو راتبه الحقيقي وقد رضي بذلك وهذا الجزء رضيت الدولة إعطاءه من تلقاء نفسها للمتقاعد وما تدفعه الدولة ليس له مقابل بعد تكييف المقتطع و يكون هذا من باب المكافأة وليس على سبيل المعاوضة، ولأن من واجب الدولة أن تلزم نفسها بالعطايا لموظفيها ليكون هذا كالحافز لهم في أداء وظائفهم فما تعطيه الدولة هو التزام على سبيل التبرع وواجبها رعاية الناس جميعًا والموظفون من رعاياها.
وهذه المعاني غير موجودة في التأمين، فالشركة لا ترد الأقساط على سبيل الرعاية وإنما هو خالص ربحها فلا يصح هذا القياس.