390 -وجميع العقوبات الشرعية بنيت على اساسين كبيرين: الأول: العدل والثاني: الردع. ويظهر الاساس الاول - العدل - في أن العقوبة بقدر الجريمة، قال تعالى: {وجزاء سيئة سيئة مثلها} سورة الشورى الآية: 40، فليس فيها زيادة على ما يستحقه المجرم، وان ظن بعض الجهلاء هذه الزيادة كما سنبينه بعد قليل. ويظهر الاساس الثاني - الردع - في مقدار الألم الذي تحدثه العقوبة في المجرم وما تسببه له من فقدان حريته او بعض أعضائه، ولا شك أن فقده هذه الأشياء يؤلمه ويخيفه فيمتنع من الاجرام بدافع من حب الذات والخوف من المؤذي المؤلم إذا ما سولت له نفسه الاجرام وزين له الشيطان مخالفة حدود الاسلام.
أنواع العقوبة
391 -العقوبات في الشريعة الاسلامية رابعة أنواع: الحدود، والقصاص، والديات، والتعزير، وكنا قد أشرنا إليها من قبل عند كلامنا على تقسيم الجرائم، فلا بد من الكلام بايجاز شديد عن كل عقوبة من هذه العقوبات من حيث دليل مشروعيتها ومقدارها.
أ) الحدود
392 -وهي العقوبات المقدرة لجرائم الحدود، وقد وجبت، كما قال الفقهاء حقًا لله تعالى، لأن نفعها للعامة لا اختصاص لأحد بها، وما كان نفعه عامًا، يعتبر من حق الله، ولهذا نسب الى رب الناس جميعًا لعظيم خطره وشمول نفعه [15] ، ولأن هذه النسبة تشعر بلزوم العناية والاهتمام به وعدم التفريط فيه ولهذا لا يجوز اسقاط هذه العقوبات"الحدود"بعد ثبوت جرائمها امام القضاء حتى ولو رضي المجني عليه بهذا الاسقاط، لتعلق حق الله بهذه العقوبات.
وجرائم الحدود التي ثبت فيها هذا النوع من العقوبات هي: الزنى، والقذف، وشرب الخمر، والسرقة، والحرابة، والردة، والبغي.
393 -أولًا: عقوبة الزنا
وهو كل وطء وقع على غير نكاح ولا شبهة نكاح ولا ملك يمين [16] وعقوبته الجلد أو الرجم، والتغريب.
أما الجلد فالأصل فيه قوله تعالى: {الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين} سورة النور الآية: 2، وجاءت السنة النبوية مقررة للجلد، من ذلك ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أمر بجلد رجل أقر بزناه مائة جلدة وكان بكرًا [17] ولا خلاف بين الفقهاء في وجوب الجلد على الزاني إذا لم يكن محصنًا.
أما الرجم، فقد ثبت بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأجمع عليه الصحابة والمسلمون ولم يشذ عن هذا الاجماع إلا الخوارج [18] . والرجم معناه رجم الزاني بالحجارة أو ما يقوم مقامها حتى الموت. ولا يجب الرجم إلا على المحصن باجماع العلماء. ومن شروط الاحصان أن يكون الزاني قد وطئ وطءًا كاملًا في نكاح تام.
أما التغريب فمعناه نفي الزاني عن البلد الذي زنى فيه إلى بلد غيره، وقد اختلف العلماء في وجوبه مع الجلد. فعند الحنفية لا تغريب مع الجلد إلا إذا رأى الامام