فهرس الكتاب

الصفحة 5038 من 7068

نستطيع أن نميِّز بين مراحل نشأة الإعجاز التأثيري وتطوره:

ـ المرحلة الأولى: مرحلة النشأة:

تتصل نشأة هذا الوجه الإعجازي للقرآن بنزول القرآن الكريم نفسه اتصالًا مباشرًا، وذلك لما يلي:

أولًا: أمر الله سبحانه وتعالى ـ في كتابه بالحرص على إسماع المشركين القرآن الكريم، ليكون ذلك عونًا على دعوتهم للإسلام، قال ابن حجر: «ولا خلاف بين العقلاء أن كتاب الله تعالى معجز، لم يقدر أحد على معارضته بعد تحديهم بذلك، قال تعالى: (وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه) » . فلولا أن سماعه حجة عليه لم يقف أمره على سماعه، ولا يكون حجة إلا وهو معجزة والمعجزة لابدّ لها من أثر فيمن تعجزه، إما تصديقًا أو تكذيبًا.

ثانيًا: ما ورد في كتب السيرة والتفسير وأغلب الكتب التي تتناول قضية الإعجاز عن لجوء رسول الله (ص) لإعجاز القرآن التأثيري كوسيلة أساسية من أسس الدعوة للإسلام وظهور أثر هذه الوسيلة الفعال في كل من استعملت معه، إما قبولًا واعتناقًا للإسلام، أو نفورًا وإعراضًا عنه، أو إقرارًا بإعجاز القرآن في حاله.

ثالثًا: إن الإعجاز التأثيري في هذه المرحلة ـ وهي مرحلة النشأة الأولى ـ يتمثل في الممارسة والسلوك العملي للإعجاز نفسه، دون التأليف فيه، أو وضع قواعد أو أصول له، وإنما تدل الشواهد الكثيرة على ممارسته في حياة المسلمين.

وبعد قرنين من الزمان ـ وفي أوائل القرن الثالث الهجري ـ أشار الجاحظ (ت 255) في كتابه (البيان والتبيين) ـ من خلال حديثه عن الإعجاز البلاغي للقرآن ـ إشارات خاطفة للإعجاز التأثيري، وكذلك فعل الرماني في منتصف القرن الرابع (ت 386) .

ـ المرحلة الثانية: مرحلة التأصيل العلمي للإعجاز التأثيري:

سنقف في هذه المرحلة مع عدد من العلماء القدامى والمحدثين، ممن تحدثوا عن الإعجاز التأثيري: فمن العلماء القدامى: (الخطابي، والجرجاني، وابن القيم) .

ومن العلماء المحدثين: (د. عبدالكريم الخطيب الإمام/ محمد الغزالي) .

1 ـ الخطابي: (أبو سيلمان حمد بن محمد بن إبراهيم الخطابي ـ ت 388هـ) .

يبدأ الخطابي رسالته (بيان إعجاز القرآن) بالاعتراف بتعذر معرفة وجه الإعجاز في القرآن، ومعرفة الأمر في الوقوف على كيفيته، ثم بدأ في ذكر وجوه الإعجاز فحددها. وفي نهاية رسالته عاد الخطابي إلى تأكيد رأيه في الإعجاز القرآني، وذلك باختياره الإعجاز التأثيري كأهم وجه من وجوه الإعجاز. فقال: (قلت: في إعجاز القرآن وجه آخر، ذهب عنه الناس، فلا يكاد يعرفه إلا الشاذ من آحادهم، وذلك صنيعه بالقلوب، وتأثيره في النفوس، فإنك لا تسمع كلامًا غير القرآن ـ منظومًا ولا منثورًا ـ إذا قرع السمع خلص له إلى القلب من اللذة والحلاوة في حال، ومن الروعة والمهابة في أخرى ما يخلص منه إليه، تستبشر به النفوس، وتنشرح له الصدور، حتى إذا أخذت حظها منه، عادت إليه مرتاعة قد عراها الوجيب والقلق، وتغشاها الخوف والفرق، تقشعر منه الجلود، وتنزعج له القلوب، يحول بين النفس ومضمراتها وعقائدها الراسخة فيها، فكم من عدو للرسول(ص) من رجال العرب وفتاكها أقبلوا يريدون اغتياله وقتله، فسمعوا آيات من القرآن فلم يلبثوا حين وقعت في

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت