في مصالحهم ومعايشهم، وأنهم لم يكونوا جميعا يحسنون الكتابة، بل كان الكاتبون منهم أفرادًا قلائل، فكان تركيز هؤلاء الكتبة من الصحابة على كتابة القرآن دون غيره حتى يؤدوه لمن بعدهم تامًا مضبوطًا لا يُنْقص منه حرف.
ومن أجل ذلك اقتصر التكليف على كتابة ما ينزل من القرآن شيئًا فشيئًا حتى جمع القرآن كله في الصحف.
وكان الخوف من حدوث اللبس عند عامة المسلمين فيختلط القرآن بغيره - وخصوصًا في تلك الفترة المبكرة التي لم يكتمل فيها نزول الوحي - أحد الأسباب المهمة التي منعت من كتابة السنة
ثم إنه لم يحصل لحفاظ السنة في عهد الصحابة ما حصل لحفاظ القرآن، فقد استحرَّ القتل بحفاظ القرآن من الصحابة، أما السنة فإن الصحابة الذي رووا الحديث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كانوا كثر، ولم يحصل أن استحر القتل فيهم قبل تلقي التابعين عنهم.
ومن الأسباب أيضًا أن السنة كانت متشعبة الوقائع والأحداث فلا يمكن جمعها كلها بيقين، ولو جمع الصحابة ما أمكنهم فلربما كان ذلك سببًا في رد من بعدهم ما فاتهم منها ظنًا منهم أن ما جمع هو كل السنة.
ثم إن جمعها في الكتب قبل استحكام أمر القرآن كان عرضة لأن يُقبِل الناس على تلك الكتب، ويدعوا القرآن، فلذلك رأوا أن يكتفوا بنشرها عن طريق الرواية، وبعض الكتابات الخاصة.
أضف إلى ذلك أن القرآن يختلف عن السنة من حيث أنه متعبد بتلاوته، معجز في نظمه ولا تجوز روايته بالمعنى، بل لا بد من الحفاظ على لفظه المنزل، فلو ترك للحوافظ فقط لما أمن أن يزاد فيه حرف أو ينقص منه، أو تبدل كلمة بأخرى، بينما السنة المقصود منها المعنى دون اللفظ، ولذا لم يتعبد الله الخلق بتلاوتها، ولم يتحداهم بنظمها، وتجوز روايتها بالمعنى، وفي روايتها بالمعنى تيسير على الأمة وتخفيف عنها في تحملها وآدائها.
وقد بلَّغ - صلى الله عليه وسلم - الدين كله وشهد الله له بهذا البلاغ فقال سبحانه: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ} (7) ، ووجود السنة بين الأمة جنبًا إلى جنب مع القرآن الكريم فيه أبلغ دلالة على تبليغ الرسول - صلى الله عليه وسلم - إياها لأمته وبالتالي لم يضع نصف ما أوحاه الله إلى نبيه - صلى الله عليه وسلم - كما زعم الزاعمون -، بل الجميع يعلم أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يتمتعون بحوافظ قوية، وقلوب واعية، وذكاء مفرط، مما أعانهم على حفظ السنة وتبليغها كما سمعوها، مستجيبين في ذلك لحث نبيهم - صلى الله عليه وسلم - لهم في الحديث الذي رواه الترمذي و غيره بقوله (نضر الله امرءًا سمع مني مقالة فحفظها فأداها كما سمعها فرب مبلغ أوعى من سامع) .
فتم ما أراده النبي - صلى الله عليه وسلم - من حفظ السنة وتبليغها، ويكون بذلك - صلى الله عليه وسلم - قد بلغ دين الله عز وجل كاملًا ولم ينقص منه شيئًا.
الشبهة الثالثة