ومن الشبهات التي يرددها المستشرقين و أذنابهم هو ما فهموه من قوله تعالى {مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ} (8) ، وقوله سبحانه: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ} (9) .
فقالوا: إن هذه الآيات وأمثالها تدل على أن الكتاب قد حوى كل شيء من أمور الدين، وكلَّ حُكم من أحكامه، وأنه بيَّن ذلك وفصَّله بحيث لا يحتاج إلى شيء آخر، وإلا كان الكتاب مفرِّطًا فيه، ولما كان تبيانًا لكل شيء، فيلزم الخُلْف في خبره سبحانه وتعالى.
الرد على هذه الشبهة و تفنيدها:
وجوابًا على هذه الشبهة يقال: ليس المراد من الكتاب في قوله تعالى: {مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ} (10) القرآن، وإنما المراد به اللوح المحفوظ، فإنه هو الذي حوى كل شيء، واشتمل على جميع أحوال المخلوقات كبيرها وصغيرها، جليلها ودقيقها، ماضيها وحاضرها ومستقبلها، على التفصيل التام، بدلالة سياق الآية نفسها حيث ذكر الله عز وجل هذه الجملة عقب قوله سبحانه: {وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ} (11) أي مكتوبة أرزاقها وآجالها وأعمالها كما كتبت أرزاقكم وآجالكم وأعمالكم كل ذلك مسطور مكتوب في اللوح المحفوظ لا يخفى على الله منه شيء.
وعلى التسليم بأن المراد بالكتاب في هذا الآية القرآن، كما هو في الآية الثانية وهي قوله سبحانه: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ} (12) فالمعنى أنه لم يفرِّط في شيء من أمور الدِّين وأحكامه، وأنه بيَّنها جميعًا بيانًا وافيًا.
ولكن هذا البيان إما أن يكون بطريق النص مثل بيان أصول الدين وعقائده وقواعد الأحكام العامة، فبيَّن الله في كتابه وجوب الصلاة والزكاة والصوم والحج، وحِلِّ البيع والنكاح، وحرمة الرِّبا والفواحش، وحِلِّ أكل الطيبات وحُرْمة أكل الخبائث على جهة الإجمال والعموم، وتَرَك بيان التفاصيل والجزئيات لرسوله صلى الله عليه وسلم.
ولهذا لما قيل لمُطَرِّف بن عبد الله بن الشِخِّير:"لا تحدثونا إلا بالقرآن قال: والله ما نبغي بالقرآن بدلًا ولكن نريد من هو أعلم منا بالقرآن."
وروي عن عمران بن حصين أنه قال لرجل يحمل تلك الشبهة: إنك امرؤ أحمق أتجد في كتاب الله الظهر أربعا لا يجهر فيها بالقراءة، ثم عدد إليه الصلاة والزكاة ونحو هذا، ثم قال أتجد هذا في كتاب الله مفسَّرا، إن كتاب الله أبهم هذا وإن السنة تفسر ذلك""
وإما أن يكون بيان القرآن بطريق الإحالة على دليل من الأدلة الأخرى التي اعتبرها الشارع في كتابه أدلة وحُجَجًا على خلقه.
فكل حكم بينته السنَّة أو الإجماع أو القياس أو غير ذلك من الأدلة المعتبرة، فالقرآن مبَيِّن له حقيقة، لأنه أرشد إليه وأوجب العمل به، وبهذا المعنى تكون جميع أحكام الشريعة راجعة إلى القرآن
فنحن عندما نتمسك بالسنة ونعمل بما جاء فيها إنما نعمل في الحقيقة بكتاب الله تعالى، ولهذا لما قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه:"لعن الله الواشمات"