فهرس الكتاب

الصفحة 6476 من 7068

ومن تلك الأخبار أيضًا ما رُوِي أنه - صلى الله عليه وسلم - قال: (إني لا أحلُّ إلا ما أحلَّ الله في كتابه، ولا أحرِّم إلا ما حرَّم الله في كتابه) ، وفي رواية: (لا يمسكنَّ الناس عليَّ بشيء، فإني لا أحلُّ لهم إلا ما أحلَّ الله ولا أحرَّم عليهم إلا ما حرَّم الله) .

هذه هي خلاصة الشبه التي أوردوها، وهي شبه ضعيفة متهافتة لا تثبت أمام البحث والنظر الصحيح، وتدل على مبلغ جهلهم وسوء فهمهم.

الرد على هذه الشبهة و تفنيدها:

أما الحديث الأول: (إن الحديث سيفشو عني .... ) فإن أحاديث العرض على كتاب الله كلها ضعيفة لا يصح التمسك بشيء منها كما ذكر أهل العلم، فمنها ما هو منقطع، ومنها ما بعض رواته غير ثقة أو مجهول، ومنها ما جمع بين الأمرين، وقد بَيَّن ذلك ابن حزم و البيهقي، و السيوطي، وقال الشافعي في الرسالة:"ما روَى هذا أحدٌ يثبت حديثه في شيء صغير ولا كبير، وإنما هي رواية منقطعة عن رجل مجهول ونحن لا نقبل هذه الرواية في شيء"، بل نقل ابن عبد البر في جامعه عن عبد الرحمن بن مهدي قوله:"الزنادقة والخوارج وضعوا هذا الحديث"، ثم قال:"وهذه الألفاظ لا تصح عنه - صلى الله عليه وسلم - عند أهل العلم بصحيح النقل من سقيمه".

بل إن الحديث نفسه يعود على نفسه بالبطلان، فلو عرضناه على كتاب الله لوجدناه مخالفًا له، فلا يوجد في كتاب الله أن حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا يقبل منه إلا ما وافق الكتاب، بل إننا نجد في القرآن إطلاق التأسي به - صلى الله عليه وسلم والأمر بطاعته، والتحذير من مخالفة أمره على كل حال، فرجع الحديث على نفسه بالبطلان.

ومما يدل على بطلانه كذلك معارضته الصريحة لقوله - صلى الله عليه وسلم - في الحديث الذي رواه أبو داود: (لا ألفين أحدكم متكئا على أريكته يأتيه الأمر من أمري مما أمرت به أو نهيت عنه، فيقول: لا ندري ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه) .

وعلى التسليم بصحة الخبر فليس المراد منه أن ما يصدر عن النبي - صلى الله عليه وسلم نوعان: منه ما يوافق الكتاب فهذا يُعمل به، ومنه ما يخالفه فهذا يُردُّ، بل لا يمكن أن يقول بذلك مسلم، لأن في ذلك اتهامًا للرسول عليه الصلاة والسلام بأنه يمكن أن يصدر عنه ما يخالف القرآن، وكيف لمؤمن أن يقول ذلك وقد ائتمنه الله على وحيه ودينه وقال له: {قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي} (14) .

فالرسول عليه الصلاة والسلام معصوم من أن يصدر عنه ما يخالف القرآن، ولا يمكن أن يوجد خبر صحيح ثابت عنه مخالفٌ لما في القرآن.

فيكون معنى الحديث إذًا:"إذا رُوِي لكم حديث فاشتبه عليكم هل هو من قولي أو لا فاعرضوه على كتاب الله، فإن خالفه فردُّوه فإنه ليس من قولي"، وهذا هو نفسه الذي يقوله أهل العلم عندما يتكلمون على علامات الوضع في الحديث، فإنهم يذكرون من تلك العلامات أن يكون الحديث مخالفًا لمحكمات الكتاب، ولذلك قال"فما أتاكم يوافق القرآن: فهو عنِّي، وما أتاكم يخالف القرآن فليس عنِّي".

وعندما نقول: إن السنة الصحيحة لابدَّ وأن تكون موافقة للقرآن غير مخالفة له، فلا يلزم أن تكون هذه الموافقة موافقة تفصيلية في كل شيء، فقد تكون الموافقة على

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت