فهرس الكتاب

الصفحة 6477 من 7068

جهة الإجمال، فحين تبين السنة حكمًا أجمله القرآن، أو توضِّح مُشْكِلًا، أو تخصص عامًَّا، أو تقييد مطلقًا، أو غير ذلك من أوجه البيان، فهذا البيان في الحقيقة موافق لما في القرآن، غير مخالف له.

بل حتى الأحكام الجديدة التي أثبتتها السنة ودلَّت عليها استقلالًا، هي أيضًا أحكام لا تخالف القرآن، لأن القرآن سكت عنها على جهة التفصيل، وإن كان قد أشار إليها وتعرض لها على جهة الإجمال حين قال: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} (15) .

وأما الحديث الثاني: (إذا حُدِّثتم عنِّي حديثًا تعرفونه ولا تنكرونه .... ) ، فرواياته ضعيفة منقطعة كما قال البيهقي و ابن حزم وغيرهما، فضلًا عما فيه من تجويز الكذب عليه - صلى الله عليه وسلم - وذلك في عبارة: (ما أتاكم من خبر فهو عنِّي قلته أم لم أقله) ، وحاشا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يسمح بالكذب عليه وهو الذي تواتر عنه قوله في الصحيحين: (من كذب عليَّ متعمدًا فليتبوَّأ مقعده من النار) .

وقد رُوي هذا الحديث من طرق مقبولة ليس فيها لفظ (قلته أم لم أقله) منها رواية صحيحة أخرجها الإمام أحمد: (إذا سمعتم الحديث عني تعرفه قلوبكم وتلين له أشعاركم وأبشاركم وترون أنه منكم قريب فأنا أولاكم به، وإذا سمعتم الحديث عني تنكره قلوبكم وتنفر منه أشعاركم وأبشاركم وترون أنه منكم بعيد فأنا أبعدكم منه)

والمراد منه أن من أدلَّة صحة الحديث وثبوته أن يكون وفق ما جاءت به الشريعة من المحاسن، وأن يكون قريبًا من العقول السليمة والفطر المستقيمة، فإن جاء على غير ذلك كان دليلًا على عدم صحته، وهذا هو الذي يقوله علماء الحديث عند الكلام على العلامات التي يعرف بها الوضع وليس هذا مجال بسطها.

نعم قد تقصر عقولنا عن إدارك الحكمة والعلَّة، فلا يكون ذلك سببًا في إبطال صحة الحديث وحجيته، فمتى ما ثبت الحديث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وجب علينا قبوله وحسن الظن به، والعمل بمقتضاه، واتهام عقولنا، قال ابن عبد البر: كان أبو إسحاق إبراهيم بن سيار يقول:"بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن الشرب من فم القربة، فكنت أقول: إن لهذا الحديث لشأنًا، وما في الشرب من فم القربة حتى يجيء فيه هذا النهي؟ فلما قيل لي: إن رجلًا شرب من فم القربة فوكعته حية فمات، وإن الحيات والأفاعي تدخل أفواه القرب علمت أن كل شيء لا أعلم تأويله من الحديث أن له مذهبًا وإن جهلته".

وأما الحديث الثالث: (إني لا أحلُّ إلا ما أحلَّ الله في كتابه .... ) ، فهو حديث منقطع في كلتا روايتيه كما قال الشافعي و البيهقي و ابن حزم.

وعلى فرض صحته فليس فيه أيُّ دلالة على عدم حجية السنة بل المراد بقوله: (في كتابه) ما أوحى الله إليه - كما قال البيهقي - فإن ما أوحى الله إلى رسوله نوعان: أحدهما وحي يتلى، والآخر وحي لا يتلى، ففسَّرَ الكتاب هنا بما هو أعم من القرآن.

وقد ورد في السنة استعمال الكتاب في هذا المعنى في الحديث الذي رواه الإمام البخاري حيث قال - صلى الله عليه وسلم - لأبي الزاني بامرأة الرجل الذي صالحه على الغنم والخادم: (والذي نفسي بيده لأقضين بينكما بكتاب الله، الوليدة والغنم ردٌّ،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت