فهرس الكتاب
بها؛ فهذا من الكذب والمكابرة، والمطلع على المدونات في كتب السنة، وتاريخ العلوم، وما كتب العلماء في مواقف الأمة المسلمة من سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وبخاصة موقف الصحابة - رضوان الله عليهم - من سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقطع بكذب هؤلاء ويعجب من مدى تبجحهم وافترائهم على الحق، إلى حد قلب الأوضاع وعكس الأمور. فقد كان أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أحرص الخلق على ملاحظة أقوال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأفعاله وحفظها، والعمل بها، بل بلغ من حرصهم على تتبع كل صغيرة وكبيرة وحفظها ووعيها والعمل بها أن كانوا يتناوبون ملازمة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فهذا عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - يحدث عنه البخاري بسنده المتصل إليه. يقول:"كنت وجار لي من الأنصار في بني أمية بن زيد - من عوالي المدينة - وكنا نتناوب النزول على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ينزل يومًا، وأنزل يومًا، فإذا نزلت جئته بخبر ذلك اليوم، وإذا نزل فعل مثل ذلك" (3) وما كان ذلك إلا لحرصهم الشديد على معرفة سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - واتباعها والالتزام بها ...
وقد كان الصحابة يقطعون المسافات الطويلة ليسألوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن حكم الله في بعض ما يعرض لهم. يروي البخاري عن عقبة بن الحارث - رضي الله عنه - " أن امرأة أخبرته أنها أرضعته هو وزوجه فركب من فوره من مكة إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالمدينة. فلما بلغ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سأله عن حكم الله فيمن تزوج امرأة لا يعلم أنها أخته من الرضاع، ثم أخبرته بذلك من أرضعتهما؟ فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم - (كيف وقد قيل؟) ففارق زوجه لوقته وتزوجت بغيره ..
وكان الصحابة - رضي الله عنهم - حريصين على أن يسألوا أزواج النبي - رضوان الله عليهن - عن سيرته وسنته في بيته، وكانت النساء يذهبن إلى بيوت أزواج النبي يسألنهن عما يعرض لهن، وهذا معروف مشتهر غني عن ذكر شاهد أو مثال.
(1) تأويل مختلف الحديث ابن قتيبة، السنة ومكانتها من التشريع: 61، تدوين السنة:76.
(2) حضرت العديد من جلسات المناظرة التي عقدت بيننا وبين أتباع"برويز"وذلك بمدينة"كراتشي"بباكستان. فكان احتجاجهم يقوم على هذا الحديث. وكثيرًا ما كانوا يرددون:"صاحب السنة نهاكم عن كتابتها، وأقر هو بأنها لا تستحق أن تكتب، فهل أنتم حريصون على السنة أكثر من صاحبها؟"ومن طبعهم أنك مهما جئتهم بحجة، فإنهم لا يستمعون، أو كأنهم لا يسمعون، ويظلون يرددون ما لديهم مهما ظهر تهافته وفساده حتى ييئس المناظر وهنا يرفعون أصواتهم بالصياح والشماتة، وكأنهم انتصروا فيخيل للحاضرين -وجمهرتهم ممن لا يعرف العربية- أن"البرويزيين"انتصروا على المسلمين. فيشاركون بأصواتهم هم الآخرين ..