فهرس الكتاب
*وهذا خبيب بن عدي -رضي الله عنه- يأسره المشركون، ويذهبون به ليصلبوه، فيقول لهم: دعوني حتى أصلى ركعتين. فتركوه، فصلى ركعتين خفيفتين، ثم أقبل عليهم فقال: والله لولا تظنون أني خائف من الموت لاستكثرت من الصلاة، ثم رفعوه على خشبة وقيدوه، ثم سأله المشركون: يا خبيب أتحب أن يكون محمد مكانك وأنت معافى في بيتك؟ فيقول: لا، والله ما أحب أن يفديني بشوكة يشاكها في قدمه، ثم ينشد قائلًا:
ولستُ أُبالي حينَ أُقْتَلُ مُسْلِمًا
على أي جَنبٍ كانَ في اللَّهِ مَصْرَعِي
ولست بِمُبْدٍ للعدوِّ تخشُّعًا
ولا جَزَعًا إِنِّي إلى اللَّهِ مَرْجِعِي
وَذلكَ فِي ذَاتِ الإِلهِ وَإِنْ يَشَأْ
يُبَارِكْ على أَوْصالِ شِلْوٍ ممزَّعِ
وشلوٍ ممزع: (جسم ممزق الأعضاء) .
*وهذه سُمية يعذبها المشركون هي وزوجها وابنها، و الرسول صلى الله عليه وسلم يمر عليهم ويقول: (صبرًا آل ياسر فإن موعدكم الجنة) [ابن هشام] ، فالمؤمن يصبر على ابتلاء الله -عز وجل- ويتوكل عليه، وهذا ما طلبه الله من المؤمنين حين قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون} [آل عمران: 200] . و الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: (الصبر نصف الإيمان) [أبو نعيم] .
ويقول أيضًا: (عجبًا لأمر المؤمن، إن أمره كله خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سرَّاءُ(شيء يحبه) شكر، فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء (شيء يكرهه) صبر، فكان خيرًا له) [مسلم] .
والإيمان يزيد بالمداومة على العمل الصالح، وينقص بالمعصية والتقصير في حق الله. قال تعالى: {إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانًا وعلى ربهم يتوكلون} [الأنفال: 2] .
وقال: {الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانًا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل} [آل عمران: 173] .
*لقى حنظلةُ بن الربيع أبا بكر الصديق - رضي الله عنه-، فقال حنظلة: نافَقَ حنظلة. فقال أبوبكر: سبحان الله! ما تقول؟ فقال حنظلة: نكون عند رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكرنا بالجنة والنار، فكأنَّا رأي العين، فإذا خرجنا من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم جامعنا الأزواج، ولاعبنا الأولاد، واهتممنا بأمور دنيانا.
فقال أبو بكر -رضي الله عنه-: فوالله، إن حالنا مثل حالك. ثم ذهب حنظلة وأبو بكر -رضي الله عنهما- إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال حنظلة ل رسول الله صلى الله عليه وسلم: نافق حنظلة، يا رسول الله. فسأله الرسول صلى الله عليه وسلم عن سبب قوله، فقال حنظلة للرسول (مثلما قال لأبي بكر. فابتسم الرسول صلى الله عليه وسلم وقال: (والذي نفسي بيده، لو تدومون على ما تكونون عندي، لصافحتكم