الصفحة 185 من 574

الإقتصاد والحقائق الإجتماعية، والدمج بينهما بطريقة تؤدي إلى نتائج

خاطئة، بسبب إصرار الماركسية على تفسير المجتمع كله في ضوء الظواهر

الإقتصادية. ولنفترض مثلًا: أن الحالة النسبية للعمال تتردى على مر الزمن

_ أي حالتهم بالنسبة إلى الرأسماليين_ ولكنها من ناحية أخرى_ بما هي

حالة منظورًا إليها بصورة مستقلة_ تتحسن وتزداد رخاء وسعة.. فمن

حق الماركسية_ إذا صح هذا_ أن تعبر عن هذه الظاهرة تعبيرًا اقتصاديًا

محددًا، ولكن ليس من حقها أن تعبر عنها تعبيرًا اجتماعيًا فتعلن عن ضرورة

تزايد البؤس في المجتمع. فإن تردي الحالة النسبية لا يعني بؤسًا، ما دامت

تتحسن بصورة مستقلة. وإنما اضطرت الماركسية إلى هذا التعبير بالذات،

لتصل عن طريق ذلك إلى استكشاف القوة الحتمية الدافعة إلى الثورة، وهي

البؤس المتعاظم باستمرار. ولم تكن الماركسية لتصل إلى هذا الكشف،

لو لم تستعر للظواهر الاقتصادية أسماء اجتماعية، ولو لم تطلق على حالة

التردي النسبي إسم: البؤس:

وأخيرًا، فما هي أسباب الحاجة والفاقة، التي كان يجدها ماركس

مخيمة على المجتمع الرأسمالي.

إن الحاجة والفاقة وألوان الفقر والتسكع، لم تنشأ عن السماح بالملكية

الخاصة لوسيلة الإنتاج، وإنما نشأت عن الإطار الرأسمالي لهذه الملكية،

عن اكتساح هذا الملكية الخاصة لكل وسائل الإنتاج، وعدم الإعتراف

بمبدأ الملكية العاملة إلى جانبه، ولا بحقوق ثابتة في الأموال الخاصة للضمان الإجتماعي، ولا بحدود خاصة لتصرفات المالكين في أموالهم. وأما إذا

سمح المجتمع بالملكية الخاصة لوسيلة الإنتاج، ووضع إلى جانب ذلك

مباديء الملكية العامة لقسم كبير من وسائل الإنتاج، والضمان الإجتماعي،

والحرية الإقتصادية المحدودة بحدود من المصلحة العامة، تحول دون تمركز

الأموال في أيدي فئة قليلة.. أما إذا قام المجتمع بذلك كله، فلن يوجد

في المجتمع الذي يوفق بين هذه المباديء، ظل للبؤس أو ظاهرة من ظواهر

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت