الصفحة 213 من 574

إحدهما: أن الحياة الاقتصادية تسير وفقًا لقوى طبيعة محددة، تتحكم

في كل الكيان الاقتصادي للمجتمع. كما تسير شتى مناحي الكون طبقًا لقوى

الطبيعة المتنوعة. والواجب العلمي تجاه تلك القوى التي تسيطر على الحياة

الإقتصادية. هو استكشاف قوانينها العامة وقواعدها الأساسية، التي تصلح

لتفسير مختلف الظواهر والأحداث الاقتصادية.

والفكرة الأخرى: هي أن تلك القوانين الطبيعية، التي يجب على علم

الاقتصاد استكشافها، كفيلة بضمان السعادة البشرية إذا عملت في جو حر،

وأتيح لجميع أفراد المجتمع التمتع بالحريات الرأسمالية، حريات: التملك.

والاستغلال، والاستهلاك.

وقد وضعت الفكرة الأولى البذرة العلمية للاقتصاد الرأسمالي، ووضعت

الفكرة الثانية بذرته المذهبية، غير أن الفكرتين أو البذرتين ارتبطتا في باديء

الأمر ارتباطًا وثيقًا، حتى خيل للمفكرين الاقتصاديين يومئذ: أن تقييد

حرية الأفراد والتدخل في الشؤون الاقتصادية من الدولة، يعني الوقوف

في وجه الطبيعة وقوانينها، التي كفلت للإنسانية رخاءها وحل جميع

مشاكلها... فكل محاولة لإهدار شيء من الحريات الرأسمالية، تعتبر

جريمة في حق القوانين الطبيعية العادلة.. وهكذا انتهى بهم هذا القول:

بأن تلك القوانين الخيرة تفرض بنفسها المذهب الرأسمالي، وتحتم على المجتمع

ضمان الحريات الرأسمالية.

غير أن هذا اللون من التفكير يبدو الآن مضحكًا وطفوليًا إلى حد كبير،

لأن الخروج على قانون طبيعي علمي لا يعني أن هناك جريمة ارتكبت في

حق هذا القانون، وإنما يبرهن على خطأ القانون نفسه، وينزع عنه وصفه

العلمي الموضوعي. لأن القوانين الطبيعية لا تتخلف في ظل الشروط والظروف

اللازمة لها، وإنما قد تتغير الشروط والظروف، فمن الخطأ أن تعتبر الحريات

الرأسمالية، تعبيرًا عن قوانين طبيعية، وتعتبر مخالفتها جريمة في حق تلك

القوانين. فقوانين الاقتصاد الطبيعية تعمل ولا تكف عن العمل، في جميع

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت