الصفحة 227 من 574

المجتمعات ثالثًا حتى عاد الرأسماليون أنفسهم يؤمنون بحاجة الرأسمالية إلى

التعديل والتحديد، ويحاولون شيئًا من الترقيع والترميم، للتخلص من تلك

الآثار أو إخفائها عن الأبصار، وأصبحت الرأسمالية في صيغتها المذهبية

الكاملة مذهبًا تاريخيًا، أكثر من كونه مذهبًا يعيش في واقع الحياة.

أما في مجرى الحياة الاقتصادية للمجتمع الرأسمالي: فليست الحرية

الرأسمالية المطلقة إلا سلاحًا جاهزًا بيد الأقوياء يشق لهم الطريق، ويعبد

أمامهم سبيل المجد والثروة على جماجم الآخرين. لأن الناس ما داموا

متفاوتين في حظوظهم من المواهب الفكرية والجسدية والفرص الطبيعية...

فمن الضروري أن يختلفوا في أسلوب الاستفادة من الحرية الاقتصادية الكاملة

التي يوفرها المذهب الرأسمالي لهم، وفي درجات هذه الاستفادة. ويؤدي

هذا الاختلاف المحتوم بين القوى والضعيف، إلى أن تصبح الحرية التعبير

القانوني عن حق القوي في كل شيء، بينما لا تعني بالنسبة إلى غيره شيئًا.

ولما كانت الحرية الرأسمالية لا تقر بالرقابة مهما كان لونها_ فسوف يفقد

الثانويون في معركة الحياة كل ضمان لوجودهم وكرامتهم، ويظلون في

رحمة منافسين أقوياء لا يعرفون لحرياتهم حدودًا من القيم الروحية والخلقية،

ولا يدخلون في حسابهم إلا مصالحم الخاصة.

وقد بلغ من هدر الكرامة الإنسانية، نتيجة لهذه الحرية الرأسمالية أن

بات الإنسان نفسه سلعة خاضعة لقوانين العرض والطلب، وأصبحت الحياة

الإنسانية رهن هذه القوانين، وبالتالي رهن القانون الحديدي للأجور.

فإذا زادت القوى البشرية العاملة، وزاد المعروض منها على مسرح الإنتاج

الرأسمالي، انخفض سعرها لأن الرأسمالي سوف يعتبر ذلك، فرصة حسنة

لامتصاص سعادته من شقاء الآخرين، فيهبط بأجورهم إلى مستوى قد

لا يحفظ لهم حياتهم، ولا يمكنهم حتى من إشباع بعض ضروراتهم، كما

قد يقذف بعدد هائل منهم إلى الشارع يقاسون آلام الموت جوعًا، لا لشيء

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت