الصفحة 228 من 574

إلا لأنه يتمتع بحرية غير محدودة. ولا بأس على العمال من الدمار والموت

جوعًا، ما دام الاقتصاد الرأسمالي يقدم لهم بصيصًا من الأمل، وكوة من

نور. ولكن ما هو هذا الأمل الذي يبعثه في نفوسهم؟! إنه هو الأمل في

انخفاض عددهم، بسبب تراكم البؤس والمرض. أي والله إن هذا هو

الأمل الذي يقدمه القانون الحديدي للأجور إلى العمال، قائلًا لهم: اصبروا

قليلًا، حتى يصرع الجوع والبؤس قسمًا كبيرًا منكم، فيقل عددكم

ويصبح العرض مساويًا للطلب، فترتفع أجوركم وتتحسن حالتكم.

هذا هو التوافق الأسطوري المزعوم، بين الدوافع الذاتية في ظل الحرية

الرأسمالية والمصالح العامة. هذا التوافق الذي اضطر الرأسماليون أنفسهم

إلى التنازل عن الإيمان به، والاتجاه إلى فكرة تحديد الحرية بالقيم والضمانات.

وإذا كان هذا هو حظ الحياة الاقتصادية في المجتمع الرأسمالي من

الحرية الرأسمالية وآثارها، فإن ما يصيب المحتوى الروحي للأمة من شرارة

تلك الحرية المجردة، أقسى وأمر، حيث تتلاشى بصورة عامة مشاعر

البر والخير والإحسان، وتطغى مفاهيم الأنانية والجشع، وتسود في المجتمع

روح الصراع في سبيل البقاء، بدلًا عن روح التعاون والتكافل. وما ظنك

بفرد يتجاوب مع المفهوم المطلق للحرية الرأسمالية؟! إذا تطلبت منه القيم

الخلقية والموقف الاجتماعي شيئًا من المفاداة والتضحية بمصالحه الخاصة،

وحتى إذا دفعته مصلحته الخاصة أحيانًا إلى تحقيق المصالح العامة، بوصفها

في صالحه أيضًا، فإن هذا وإن كان قد يؤدي إلى نفس النتيجة، التي

تستهدفها القيم الروحية والخلقية من ناحية موضوعية، ولكنها لا تحقق

الجانب الذاتي من تلك القيم، ولا تصنع من الإنسان إنسانًا في عواطفه ومشاعره ودوافعه وبواعثه. فإن الأخلاق ليست ذات قيمة موضوعية فحسب، بل

هي ذات قيمة ذاتية أيضًا، لا تقل عن قيمتها الموضوعية في تكميل الحياة

الإنسانية، وإشاعة روح السعادة والهناء النفسي فيها. وسوف نبحث في

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت