فهرس الكتاب
الفصل المقبل مسألة الدوافع الذاتية، وعلاقتها بالمصالح العامة بصورة أوسع.
ولندع الآن آثار الحرية الرأسمالية في المحتوى الداخلي للمجتمع
الرأسمالي، ولنفترض_ مع الأسطورة الرأسمالية_: أن الدوافع الذاتية
تضمن بنفسها تحقيق المصالح العامة. فهل يمكن لهذا الخيال المجنح، أن
يقول مثل ذلك عن مصالح مختلف المجتمعات، وأن يزعم التوافق بين
المصالح الخاصة للمجتمع الرأسمالي، وغيره من المجتمعات البشرية؟!
وماذا يمنع المجتمع الرأسمالي، إذا كان يؤمن بالحرية الرأسمالية مجردة
عن كل الإطارات الروحية والخلقية.. أن يسخّر سائر الكتل البشرية
لحسابه، ويستعبدها لقضاء مآربه؟!.
والواقع التاريخي للرأسمالية، هو الذي يجيب على هذا السؤال. فقد
قاست الإنسانية أهوالًا مروعة، على يد المجتمعات الرأسمالية، نتيجة
لخوائها الخلقي وفراغها الروحي، وطريقتها الخاصة في الحياة. وسوف
تبقى تلك الأهوال وصمة في تاريخ الحضارة المادية الحديثة، وبرهانًا على:
أن الحرية الاقتصادية التي لا تحدها حدود معنوية، من أفتك أسلحة الإنسان
بالإنسان، وأفظعها إمعانًا في التدمير والخراب. فقد كان من نتاج هذه
الحرية مثلًا، تسابق الدول الأوروبية بشكل جنوني على استعباد البشر
الآمنين، وتسخيرهم في خدمة الإنتاج الرأسمالي. وتاريخ أفريقيا وحدها
صفحة من صفحات ذلك السباق المحموم، تعرضت فيه القارة الأفريقية
لطوفان من الشقاء، إذ قامت دول عديدة كبريطانيا وفرنسا وهولنده وغيرها
باستيراد كميات هائلة من سكان أفريقيا الآمنين، وبيعهم في سوق الرقيق،
وتقديمهم قرابين للعملاق الرأسمالي. وكان تجار تلك البلاد يحرقون القرى
الأفريقية، ليضطر سكانها إلى الفرار مذعورين، فيقوم التجار بكسبهم
وسوقهم إلى السفن التجارية، التي تنقلهم إلى بلاد الأسياد. وبقيت هذه
الفظائع ترتكب إلى القرن التاسع عشر، حيث قامت بريطانيا خلاله بحملة