الصفحة 240 من 574

ولم يحل هذا التناقض المستقطب بين الحرية الشكلية والحرية الجوهرية، أو

بين الشكل والجوهر.. إلا في الإسلام، الذي آمن بحاجة المجتمع إلى كلا

اللونين من الحرية، فوفر للمجتمع الحرية الجوهرية بوضع درجة معقولة

من الضمان تسمح لجميع أفراد المجتمع الإسلامي بالحياة الكريمة، وممارسة

متطلباتها الضرورية، ولم يعترف في حدود هذا الضمان بالحرية. وفي نفس

الوقت لم يجعل من هذا الضمان مبررًا للقضاء على الحرية الشكلية، وهدر

قيمتها الذاتية والموضوعية، بل فتح السبيل أمام كل فرد خارج حدود

الضمان، ومنحه من الحريات ما ينسجم مع مفاهيمه عن الكون والحياة

فالمرء مضمون بدرجة وفي حدود خاصة، وحر خارج هذه الحدود.

وهكذا امتزجت الحرية الجوهرية والحرية الشكلية معًا، في التصميم الإسلامي،

هذا الامتزاج الرائع الذي لم تنتجه الإنسانية_ في غير ظل الإسلام_ إلى

التفكير فيه وتحقيقه، إلا في غضون هذا القرن الأخير، إذ بدأت المحاولات

إلى إقرار مبدأ الضمان، والتوفيق بينه وبين الحرية، بعد أن فشلت تجربة

الحرية الرأسمالية فشلًا مريرًا.

وعلى أي حال فقد ضحت الرأسمالية بفكرة الضمان والحرية الجوهرية

في سبيل الحرية الشكلية.

وهنا نصل إلى النقطة الأساسية في دراستنا، لنتساءل: ما هي تلك القيم

التي ترتكز عليها الحرية الشكلية في المذهب الرأسمالي، والتي سمحت

للرأسمالية أن تهدر جوهر الحرية وضماناتها في سبيلها؟؟!

ويجب أن نستبعد هنا كل المحاولات الرامية، إلى تبرير الحرية الشكلية

بمبررات موضوعية اجتماعية، كوصفها بأنها أداة لتوفير الإنتاج العام،

أو لتحقيق الرفاه الاجتماعي. فقد مرت بنا هذه المبررات ودرسناها،

ولم تصمد للدرس والامتحان، وإنما نعنى الآن بمحاولة الرأسمالية، لتفسير

قيمة الحرية تفسيرًا ذاتيًا.

فقد يقال بهذا الصدد: إن الحرية جزء من كيان الإنسان، وإذا سلب

الإنسان حريته فقد بذلك كرامته، ومعناه الإنساني يتميز به عن سائر

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت