الصفحة 241 من 574

الكائنات. وهذا التعبير المهلهل لا ينطوي على تحليل علمي للقيمة الذاتية

للحرية، ولا يمكن أن يجذب سوى من يستهويه التلاعب بالألفاظ، لأن

الإنسان إنما يتميز كيانه الإنساني الخاص عن سائر الكائنات، بالحرية

الطبيعية، بوصفه كائنًا طبيعيًا، لا بالحرية الاجتماعية باعتباره كائنًا

اجتماعيًا فالحرية التي تعتبر شيئًا من كيان الإنسان: هي الحرية الطبيعية،

لا الاجتماعية التي تمنح وتسلب تبعًا للمذهب الاجتماعي السائد.

وقد يقال: أن الحرية بمدلولها الاجتماعي تعبر عن نزعة أصيلة في

نفس الإنسان، وحاجة من حاجاته الجوهرية. فالإنسان بوصفه يتمتع

بالحرية الطبيعية. يميل ذاتيًا إلى أن يكون حرًا، من ناحية المجتمع الذي

يعيش ضمنه في سلوكه وعلاقاته مع الآخرين، كما كان حرًا من الناحية

الطبيعية. ومن وظيفة المذهب الاجتماعي أن يعترف بالنزعات والميول

الأصيلة في الإنسان، ويضمن إشباعها، لكي يصبح مذهبًا واقعيًا ينسجم

مع الطبيعة الإنسانية التي يعالجها ويشرّع لها فلا يمكن لمذهب إذن أن يكبت

في الإنسان نزعته الأصلية إلى الحرية.

وهذا صحيح إلى حد ما. ولكننا نقول من الناحية الأخرى: أن من

وظيفة المذهب الاجتماعي الذي يريد أن يرسي بنيانه على قواعد مكينة

من النفس البشرية: أن يعترف بمختلف النزعات الأصلية في الإنسان،

وبحاجاته الجوهرية المتنوعة. ويسعى إلى التوفيق والملائمة بينها. وليس من

المستساغ لكي يكون المذهب واقعيًا وإنسانيًا. أن يعترف بإحدى تلك

النزعات الأصيلة، ويضمن إشباعها إلى أقصى حد، على حساب النزعات

الأخرى. فالحرية مثلًا وإن كانت نزعة أصيلة في الإنسان، لأنه يرفض

بطبعه القسر والضغط والإكراه، ولكن لهذا الإنسان حاجات جوهرية،

وميولًا أصيلة أخرى. فهو بحاجة ماسة_ مثلًا_ إلى شيء من السكينة

والاطمئنان في حياته، لأن القلق يرعبه كما ينغصه الضغط والإكراه. فإذا

فقد كل الضمانات التي يمكن للمجتمع أن يؤديها له في حياته ومعيشته،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت