الصفحة 242 من 574

خسر بذلك حاجة من حاجاته الجوهرية، وحرم من إشباع ميله الأصيل إلى

الاستقرار والثقة، كما أنه إذا خسر حريته تمامًا، وقام جهاز اجتماعي يملي

عليه ارادته بالضغط والإكراه. كان قد فقد حاجة جوهرية أخرى، وهي

حاجته إلى الحرية التي تعبر نزعة أصيلة في نفسه، فالتوفيق الدقيق الحكيم

بين حاجة الإنسان الأصيلة إلى الحرية، وحاجته الأصيلة إلى شيء من

الإستقرار والثقة، وسائر حاجاته الأصيلة الأخرى. هو العملية التي يجب

أن يؤديها المذهب للإنسانية، إذا حاول أن يكون واقعيًا، قائمًا على أسس

راسخة من الواقع الإنساني. وإما أن تطرح الميول والحاجات الأخرى

جانبًا، ويضحي بها لحساب حاجة أصيلة واحدة، كي يتوفر إشباعها إلى

ابعد الحدود كما فعل المذهب الرأسمالي. فهذا يتعرض مع أبسط

الواجبات المذهبية.

وأخيرًا: فإن موقف الرأسمالية من الحرية والضمان، لئن كان خطأ

فهو مع هذا ينسجم مع الإطار العام للتفكير الرأسمالي كل الانسجام. لأن

الضمان ينطوي على فكرة تحديد حريات الأفراد والضغط عليها، ولا

تستطيع الرأسمالية أن تجد لهذا الضغط والتحديد مسوغًا، على أساس مفاهيمها

العامة عن الكون والإنسان.

وذلك أن الضغط والتحديد، قد يستمد مبرره من الضرورة التاريخية،

كما تعتقد الماركسية في ضوء المادية التاريخية، إذ ترى أن دكتاتورية

البروليتاريا، التي تمارس سياسة الضغط والتحديد من الحريات في المجتمع

الاشتراكي.. تنبع من الضرورة الحتمية لقوانين التاريخ.

ولكن الرأسمالية لا تؤمن بالمادية التاريخية، بتسلسلها الماركسي الخاص.

وقد يستمد الضغط والتحديد مبررة من الإيمان بسلطة عليا، تمتلك حق

تنظيم الإنسانية وتوجيهها في حياتها، ووضع الضمانات المحددة لحريات

الأفراد، كما يعتقد الدين، إذ يرى أن للإنسان خالقًا حكيمًا من حقه أن

يصنع له وجوده الاجتماعي، ويحد طريقته في الحياة.

وهذا ما لا يمكن للرأسمالية أن تقره، في ضوء مفهومها الأساسي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت