الصفحة 254 من 574

في حياة المجتمع الاقتصادية، من ظروف مادية وشروط طبيعة مستقلة عن

الإنسان نفسه، كما تستوحي الماركسية غاياتها من وضع القوى المنتجة

وظروفها.. وإنما ينظر إلى تلك الغايات، بوصفها معبرة عن قيم عملية

ضرورية التحقيق من ناحية خلقية. فحين يقرر ضمان حياة العامل مثلًا،

لا يؤمن بأن هذا الضمان الاجتماعي الذي وضعه، نابع من الظروف

المادية للإنتاج مثلًا، وإنما يعتبره ممثلًا لقيمة عملية يجب تحقيقها، كما

سندرس ذلك بصورة مفصلة خلال بحوث هذا الفصل.

وتعني الصفة الخلقية_ من ناحية الطريقة_: أن الإسلام يهتم بالعامل

النفسي، خلال الطريقة التي يضعها لتحقيق أهدافه وغاياته. فهو في الطريقة التي

يضعها لذلك، لا يهتم بالجانب الموضوعي فحسب_ وهو أن تحقق تلك

الغايات_ وإنما يعنى بوجه خاص بمزج العامل النفسي والذاتي بطريقة

التي تحقق تلك الغايات. فقد يؤخذ من الغني مال لإشباع الفقير مثلًا،

ويتأتى بذلك للفقير أن يشبع حاجاته، وتوجد بذلك الغاية الموضوعية التي

يتوخاها الاقتصاد الإسلامي، من وراء مبدأ التكافل. ولكن هذا ليس

هو كل المسألة في حساب الإسلام، بل هناك الطريقة التي تم بها تحقيق

التكافل العام. لأن هذه الطريقة قد تعني مجرد استعمال القوة في انتزاع

ضريبة من الأغنياء لكفالة الفقراء. وهذا وإن كفى في تحقيق الجانب

الموضوعي من المسألة، أي إشباع الفقير... ولكن الإسلام لا يقر ذلك،

ما دامت طريقة تحقيق التكافل مجردة عن الدافع الخلقي، والعامل الخير

في نفس الغني. ولأجل ذلك تدخل الإسلام، وجعل من الفرائض المالية

_التي استهدف منها إيجاد التكافل_ عبادات شرعية، يجب أن تنبع عن

دافع نفسي نيّر، يدفع الإنسان إلى المساهمة في تحقيق غايات الاقتصاد

الإسلامي، بشكل واع مقصود، طلبًا بذلك رضا الله تعالى والقرب منه.

ولا غرو أن يكون للإسلام هذا الاهتمام بالعامل النفسي، وهذا

الحرص على تكوينه روحيًا وفكريًا، طبقًا لغاياته ومفاهيمه، فإن لطبيعة

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت