فهرس الكتاب
الكاثرة من أفراده، وأجبروا على العمل تحت وقع السياط ووخز الخناجر،
فمن يباشر عملية الارهاب الهائل ويمسك السوط بيده، هو الرجل التقدمي
والطليعة الثورية في ذلك المجتمع، لأنه الساهر دون وعي على تحقيق إدارة
التاريخ. وأما ذلك الفرد الآخر الذي يستنكف عن الاشتراك في عملية
الاسترقاق، ويترك هذه الفرصة الذهبية.. فهو جدير بكل النعوت التي
يطلقها الاشتراكيون اليوم على الرأسمالي، لأنه رجل يعارض عملية التقدم
البشري.
وأما الإسلام فهو يحكم على كل نظام في ضوء صلته بالحاجات الإنسانية
المتنوعة، التي يجب على النظام تكييف الحياة تكييفًا يضمن إشباعها، بوصفها
الأساس لنشوء الحياة الاجتماعية. ولا يعتبر هذا الشكل أو ذاك من أشكال
الإنتاج، مبررًا لقيام نظام اجتماعي وعلاقات توزيع لا تكفل إشباع تلك
الحاجات، لأنه ينكر تلك الصلة الحتمية المزعومة بين أشكال الإنتاج والنظم
الاجتماعية.
والإسلام حين ينكر هذه الصلة لا يقرر ذلك نظريًا فحسب، بل هو
يقدم الدليل العملي على ذلك من وجوده التاريخي. فقد سجل الإسلام في
تجربته الواقعية للحياة نصرًا فكريًا وبرهانًا حيًا، على كذب تلك الصلة
المزعومة بين النظام الاجتماعي وأشكال الإنتاج، ودلل على أن الإنسانية
تستطيع أن تكيف وجودها الاجتماعي تكييفًا انقلابيًا جديدًا، بينما يظل
أسلوبها في الإنتاج كما هو دونما تغيير.
فإن الواقع الإسلامي الذي عاشته الإنسانية لحظة قصيرة من عمر الزمن
المديد، وأحدث فيها أروع تطوير شهدته الأسرة البشرية..لم يكن هذا
الواقع الانقلابي الذي خلق أمة، وأقام حضارة، وعدّل من سير التاريخ..
وليد أسلوب جديد في الإنتاج، أو تغير في أشكاله وقواه. ولم يكن من
الممكن في منطق التفسير الاشتراكي للتاريخ_ الذي يربط النظام الاجتماعي
بوسائل الإنتاج_ أن يوجد هذا الانقلاب الشامل، الذي تدفق إلى كل
جوانب الحياة دون أن يسبقه أي تحول أساسي في ظروف الإنتاج.