الصفحة 29 من 574

وآخر هذه المحاولات، التي جنحت إلى تفسير التأريخ والإنسان بعامل

واحد، هي المادية التاريخية التي بشر بها كارل ماركس، مؤكدًا فيها: إن

العامل الاقتصادي، هو العامل الرئيسي، والرائد الأول للمجتمع في نشوئه

وتطوره والطاقة الخلاقة لكل محتوياته الفكرية والمادية، وليست شتى العوامل

الأخرى، إلا بنيات فوقية في الهيكل الاجتماعي للتأريخ، فهي تتكيف وفقًا

للعامل الرئيسي، وتتغير بموجب قوته الدافعة، التي يسير في ركبها التأريخ

والمجتمع.

وكل هذه المحاولات لا تتفق مع الواقع ولا يقرّها الإسلام، لأن كل

واحد منها قد حاول أن يستوعب بعامل واحد، تفسير الحياة الإنسانية كلها،

وأن يهب هذا العامل من ادوار التأريخ وفضول المجتمع، ما ليس جديرًا به

لدى الحساب الشامل الدقيق.

والهدف الأساسي من بحثنا هذا، هو: دراسة المادية التاريخية من تلك

المحاولات وإنما استعرضناها جميعًا لأنها تشترك في التعبير عن اتجاه فكري

في تفسير الإنسان المجتمعي بعامل واحد.

العامل الاقتصادي أو المادية التاريخية

ولنكوّن الآن فكرة عامة عن المفهوم الماركسي للتاريخ، الذي يتبنى

العامل الاقتصادي، بصفته المحرك الحقيقي لموكب البشرية في كل الميادين.

فالماركسية تعتقد أن الوضع الاقتصادي لكل مجتمع، هو الذي يحدد أوضاعه الاجتماعية، والسياسية، والدينية، والفكرية، وما إليها من ظواهر الوجود

الاجتماعي. والوضع الاقتصادي بدوره له سببه الخاص به، ككل شيء في

هذه الدنيا. وهذا السبب_السبب الرئيسي لمجموع التطور الاجتماعي، وبالتالي

لكل حركة تاريخية في حياة الإنسان_هو وضع القوة المنتجة ووسائل الإنتاج.

فوسائل الإنتاج هي القوة الكبرى، التي تصنع تاريخ الناس وتطورهم وتنظمهم.

وهكذا تضع الماركسية يدها على رأس الخيط، وتصل إلى تسلسلها الصاعد

إلى السبب الأول، في الحركة التاريخية بمجموعها.

وهنا يبدو سؤالان: ما هي وسائل الإنتاج؟. وكيف تنشأ عنها الحركة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت