الصفحة 303 من 574

آخر بين المنتجين والمستهلكين. فالمنتج يجد دائمًا عن طريق المبادلة المستهلك

الذي يحتاج إلى السلعة التي ينتجها، وهذا المستهلك بدوره ينتج سلعة من

نوع آخر ويحصل في المبادلة على المستهلك الذي يشتريها.

ولكن ظلم الإنسان_ كما يعبر القرآن الكريم_ الذي حرم الإنسانية

من بركات الحياة وخيراتها، وتدخّل في مجال التوزيع على حساب هذا

الحق أو ذاك.. سرى أيضًا إلى المبادلة حتى طوّرها وصيّرها أداة استغلال

وتعقيد، لا أداة إشباع للحاجات وتيسير للحياة، وواسطة بين الإنتاج

والادخار لا بين الإنتاج والإستهلاك. فنشأ عن الوضع الظالم للمبادلة من

المآسي وألوان الاستغلال، نظير ما نشأ عن الأوضاع الظالمة للتوزيع في

مجتمعات الرق والإقطاع، أو في مجتمعات الرأسمالية والشيوعية.

ولكي نشرح وجهة نظر الإسلام عن المبادلة لا بد لنا أن نعرف رأي

الإسلام في السبب الأساسي الذي جعل من المبادلة أداة ظالمة للاستغلال،

وما هي النتائج التي تمخض عنها، ثم ندرس الحلول التي تقدم بها الإسلام

للمشكلة، وكيف أعطى للمبادلة صيغتها العادلة وقوانينها التي تواكب

أغراضها الرشيدة في الحياة؟؟

وقبل كل شيء يجب أن نلاحظ أن للمبادلة شكلين:

أحدهما: المبادلة على أساس المقايضة.

والآخر: المبادلة على أساس النقد.

فالمبادلة على أساس المقايضة: مبادلة سلعة بأخرى وهذا الشكل هو

أسبق أشكال المبادلة تاريخيًا، فقد كان كل منتج_ في المجتمعات الآخذة

بالتخصص وتقسيم العمل_ يحصل على السلع التي لا ينتجها نظير الفائض

من السلعة التي اختص بإنتاجها. فمن ينتج مائة كيلو من الحنطة يحتفظ

بنصف المبلغ مثلًا لإشباع حاجته، ويستبدل خمسين كيلو من الحنطة

بمبلغ معين من القطن الذي ينتجه غيره.

ولكن هذا الشكل من المبادلة (المقايضة) ، لم يستطع أن ييسر التداول

في الحياة الاقتصادية، بل أخذ يزداد صعوبة وتعقيدًا على مر الزمن كلما

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت