الصفحة 304 من 574

ازداد التخصص وتنوعت الحاجات، لأن المقايضة تضطر منتج الحنطة أن

يجد حاجته من القطن عند شخص يرغب في الحصول على الحنطة، وأما إذا

كان صاحب القطن بحاجة إلى فاكهة لا إلى حنطة، وليس لدى صاحب

الحنطة فاكهة.. فسوف يتعذر على صاحب الحنطة أن يحصل على حاجته

من القطن. وهكذا تتولد الصعوبات من ندرة التوافق بين حاجة المشتري

وحاجة البائع.

أضف إلى ذلك صعوبة التوافق بين قيم الأشياء المعدّة للمبادلة. فمن

كان يملك فرسًا لا يستطيع أن يحصل عن طريقها على دجاجة، لأن قيمة

الدجاجة أقل من قيمة الفرس، وهو غير مستعد بطبيعة الحال للحصول

على دجاجة واحدة نظير فرس كاملة، ولا هي قابلة للقسمة حتى يحصل

على دجاجة نظير جزء منها.

وكذلك أيضًا كانت عمليات المبادلة تواجه مشكلة أخرى هي:

صعوبة تقدير قيم الأشياء المعدة للمبادلة، إذ لا بد لقياس قيمة الشيء الواحد

من مقارنته بباقي الأشياء الأخرى، حتى تعرف قيمته بالنسبة إليها جميعًا.

لهذه الأسباب بدأت المجتمعات التي تعتمد على المبادلة تفكر في تعديل

المقايضة بشكل يعالج تلك المشاكل، فنشأت فكرة استعمال النقد بوصفه

أداة للمبادلة بدلًا عن السلعة نفسها. وظهر على هذا الأساس الشكل الثاني

للمبادلة، أي المبادلة على أساس النقد. فأصبح النقد وكيلًاُ عن السلعة التي

كان يضطر المشتري إلى تقديمها للبائع في المقايضة. فبدلًا عن تكليف صاحب

الحنطة_ في مثالنا_ بتقديم الفاكهة إلى صاحب القطن نظير القطن الذي

يشتريه منه.. يصبح بإمكانه أن يبيع حنطته نظير نقد، ثم يشتري بالنقد

القطن الذي يرغب فيه، وصاحب القطن بدوره يشترى الفاكهة التي يطلبها

بما حصل عليه من نقود.

ووكالة النقد عن السلعة في عمليات التداول، كفلت حل المشاكل

التي نجمت عن المقايضة وتذليل صعوباتها.

فصعوبة التوافق بين حاجة المشتري وحاجة البائع زالت، إذ لم يعد

من الضروري للمشتري أن يقدم إلى البائع السلعة التي يحتاجها، وإنما يكفي

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت